الطاقة النووية يمكن ان تستخدم لتوليد الكهرباء وبنفس القدر يمكن ان تستخدم لتدمير الحياة البشرية. كذلك الطاقة الجنسية لدى البشر فهي وسيلة نافعة للتكاثر كما انها وسيلة للعبث التدميري. استحضر هذه البدهية بمناسبة ما ورد في الاخبار من ان وزارة التربية في دولة اسلامية قررت ادخال مادة «التربية الجنسية» في البرامج المدرسية تحت اسم «المراهقة والبلوغ»، وعلى الفور اقول كمسلم: ولم لا؟ فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يعلمنا: «لا حياء في الدين». غير اننا يجب ان نتنبه الى الفارق الفاصل بين المفهوم الغربي والمفهوم الاسلامي للتربية الجنسية ومع ان الجنس هو الجنس كغريزة طبيعية في كل زمان ومكان، الا ان القيم الثقافية للحضارات والمجتمعات المختلفة هي التي تحدد طبيعة السلوكيات الجنسية، وفي هذا السياق فانني لا اعرف تناقضا اشد كالتناقض بين الرؤية الغربية المعاصرة والرؤية الاسلامية الثابتة، وهذا ما ينبغي ان يجعل المقاربة في تدريس التربية الجنسية مختلفة باختلاف الرؤيتين. الاباحية المطلقة هي عماد المفهوم الجنسي في الغرب مما هبط بالجنس من مستوى اداة «انتاجية» للتكاثر الى وسيلة استهلاكية للمتعة الفردية غير المقيدة. ان مفهوم الاباحية ينطلق اصلا من ثقافة الاستهلاك الملازمة لمفهوم رأس المال في الغرب، فتشجيع الاستهلاك بكل صنوفه لتوسيع دوائره من اجل تعظيم المردود الربحي لرأس المال، ضرورة لامتصاص الفائض المستديم في انتاج السلع والخدمات، وكذلك تشجيع الشباب من الفتيان والفتيات على ممارسة الجنس بصورة مطلقة دون اي قيود، وبما في ذلك الممارسات غير الطبيعية كعلاقات الشذوذ في اوساط الجنسين. فهناك صناعات عملاقة في الغرب يعتمد بقاؤها وازدهارها اساسا على ترويج الاباحية الجنسية، ومنها مثلا صناعة «حياة الليل» بما في ذلك تجارة الخمور وتجارة الدعارة بالاضافة الى صناعة الازياء وصناعة الانتاج التلفزيوني وصناعة السياحة.. الخ. من هذا المفهوم ينطلق تدريس التربية الجنسية في البرامج المدرسية في الغرب من ان ممارسة الجنس على اطلاقه حق من حقوق الحرية الفردية الشخصية، ولا يهم ان تكون هذه الممارسة خارج اطار العلاقة الزوجية. تأسيسا على هذا المفهوم لم تعد هناك تلك الحدود الفاصلة بين الجنس المشروع والجنس غير المشروع. وعندما يحاصرنا قادة ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني ـ او المنظمات غير الحكومية ـ المنتمية الى المجتمعات الغربية بوجوب اشاعة التربية الجنسية بين الفتيان والفتيات في العالم الاسلامي، فانهم يعنون بالضبط اشاعة الاباحية والفاحشة. ان الاسلام يضع حداً فاصلا بين نوعين من الممارسة الجنسية: الممارسة الحلال، والممارسة الحرام. الاولى يطلق عليها اصطلاح «الجماع»، بمعنى المعاشرة المشروعة في اطار رابطة زوجية مقدسة بهدف انجاب ابناء صالحين وبنات صالحات يربون على اساس اخلاقي ينطلق من مبادئ الاستقامة والتقوى. والممارسة الثانية يطلق عليها «الزنا» لأنها تقع خارج رباط الزوجية المقدس. وبطبيعة الحال يدخل ضمن التحريم تلك الممارسات غير الطبيعية كالشذوذ. نقول اذن على سبيل الاستخلاص النهائي: مرحبا بتدريس التربية الجنسية كمادة من مواد البرامج الدراسية لفتيان وفتيات الامة الاسلامية، لكن بشرط ان تكون الفلسفة الحاكمة في تدريس هذه المادة هي المبدأ الاخلاقي الاسلامي الذي يفرق بين الحلال والحرام على نحو ما ورد في أحكام القرآن والسنة الشريفة. أما من ينادون ظاهريا باشاعة التوعية الجنسية بين شباب المسلمين بينما يضمرون في الحقيقة اشاعة المفهوم الاباحي الغربي، فتنطبق عليهم الآية الكريمة: «إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون» صدق الله العظيم.