هللت الرأسمالية الغربية لسقوط جدار برلين واعتبرته انتصارها الأخير والنهائي على الأفكار والمشروعات والأيدلوجيات التي لا تصب في نهر رأس المال والسوق المفتوحة بلا حدود، بغض النظر عن مصدرها أو هدفها النهائي، المهم هو حرية الحركة لرؤوس الأموال التي تضمن أن يكون العالم كله، المتخلف منه قبل المتقدم، سوقا للشركات الكبرى التي لا جنسية لها، ولا هدف سوى الربح، وتحقيق الربح بأسرع وقت ممكن دون النظر لأي اعتبارات أخرى، لأن الاعتبارات الأخرى معروفة مسبقا لمن يخططون لتلك الشركات ولمن ينفذون تلك الخطط، فهي في رأيهم ليست سوى أعراض جانبية لا بد منها، تماما كالأعراض الجانبية التي تنتج عن تناول الأدوية والتي يعرف الأطباء أنها في بعض الأحيان قد تقتل المريض. لكن سقوط الاتحاد السوفييتي وتحوله إلى دويلات متفرقة وما تبع ذلك من انفراط عقد الكويكبات التي تدور من حوله، لم يكن فقط نهاية حقبة تاريخية كما حاول ويحاول منظرو الرأسمالية تصويره، بل كان بداية مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، مرحلة تتشكل لتكون تكوينا مستقلا بكل إيجابياته وسلبياته، فإذا كان الماضي شهد صراعا فلا بد للحاضر والمستقبل أن يشهدا أيضا صراعا، وإذا كانت الرأسمالية انتصرت في الحقبة الماضية فلا يضمن أحد أن تنتصر في المرحلة الراهنة أو حتى في المرحلة المقبلة، كل ما هناك أن اعتقادا راسخا بأن فترة «الاستمتاع» الرأسمالي بما حقق لن تطول كثيرا، إن لم تكن قد انتهت بالفعل. المرحلة السابقة كانت لها إيجابيات صبت في صالح العديد من الطبقات الاجتماعية في العديد من الدول بغض النظر عن انتمائها إلى هذا المعسكر او ذاك، فنجد أن الطبقة العاملة حققت في المجتمعات الرأسمالية ربما ما لم تحققه الطبقة العاملة في الدول الاشتراكية، وذلك نتيجة خوف الرأسمالية من انفلات الأمور من بين أيديها ومواجهة احتجاجات عمالية وإضرابات نتيجتها النهائية معروفة، ولن تكون بأي حال من الأحوال لصالح رأس المال الذي يخشى توقف دورته دقيقة واحدة، لأنها تعني خسارة في أرقام الحسابات النهائية، ويقول المحللون أن رأس المال لم يخسر في المرحلة الماضية، وإنما كل ما حدث أنه فقد بعضا من مكاسبه التي كان يمكن أن تتحقق بالضخامة المطلوبة لولا الخوف من الزحف الاشتراكي على الدول الرأسمالية. في الوقت الحالي، أي في المرحلة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي وتشريح الجسد الاشتراكي وبيان الأمراض التي حاقت به، كشف الرأسمال عن أنيابه الحقيقية وبدأ في تجريد الطبقة العاملة في الدول الرأسمالية من المكتسبات التي حققتها، في كثير من الأحيان حصلت عليها دون عناء كبير، بل في أحيان كثيرة كانت الأنظمة الحاكمة بالاتفاق مع رأس المال تتقدم على حركة الطبقة العمالية في المجتمع وتقدم لها مزايا تحولت إلى جزء من حقوق تلك الطبقة مع مرور الوقت. خلال الحقبة السابقة على سقوط الاتحاد السوفييتي كانت الطبقة العاملة في الدول الرأسمالية تتمتع بالعديد من المزايا: مجانية التعليم والصحة والحصول على السكن المناسب بثمن مناسب، وتتوفر على عوائد مالية تجعل من رواتبها كافية للعيش في رفاهية، بل توفر لها دخولها ما يشبع رغباتها الاستهلاكية دون عناء كبير. بعد تحول العالم بالكامل إلى سوق مفتوحة بدأت الطبقة العاملة تفقد، بل وفقدت معها فئات عديدة من الطبقة الوسطى التي تعتمد على رواتب محددة في حياتها، العديد من المزايا التي كانت في عداد حقوقها كجزء من مجتمع منتج يحق له الاستمتاع بما يحقق من إنتاج. انتهت المرحلة الذهبية لتلك الفئات التي كانت الرأسمالية تقدمها على أنها النموذج للفئات المماثلة في الدول الاشتراكية لعلها تثور ضد أنظمتها عندما تكتشف أنها تستطيع أن تعيش في رفاهية إضافة إلى الاستمتاع بمناخ الحرية الافتراضي الذي توفره المجتمعات الرأسمالية. بسقوط النموذج الاشتراكي وتحلله تخلى رأس المال عن ما كان يقدمه في المجتمعات التي كان يسيطر عليها، بدأ بالتدريج في خلق فئات متعددة من الخدمات، منها المجاني الذي لا يختلف كثيرا عن ما كان يحصل عليه أي مواطن في الدول الاشتراكية سيئة السمعة في خدماتها، إضافة إلى أنها خدمات موجودة لذر الرماد في العيون، أي أن حجمها لا يكفي لتلبية حاجة الطبقة الفقيرة العريضة التي تتسع يوما بعد يوم في ظل عولمة الاقتصاد والأسواق المفتوحة. ومنها نصف المجاني الذي يتمتع به المواطن الأكثر قدرة على دفع ثمن تلك الخدمات، وهو بالطبع المواطن الذي يقبع في أسفل السلم الاجتماعي لتلك المجتمعات الرأسمالية، وحتى يحصل على تلك الخدمات بالسعر الذي يستطيع دفعه عليه أن يدخل قوائم الانتظار، وهي قوائم طويلة ومقلقة في بعض المجتمعات، خاصة في مجال الصحة التي قد يموت فيها المرضى قبل أن يحل عليهم الدور في العمليات الجراحية المكلفة والدقيقة. ثم الخدمات المدفوعة الثمن وهي الأكثر انتشارا في المجتمعات الرأسمالية والتي بدأت تأخذ طريقها إلى المجتمعات الجديدة في الدول الاشتراكية السابقة، وهي تقوم على مشروعات خاصة، أي أنها لا تدخل في إطار الخدمات بقدر ما هي جزء من بحث رؤوس الأموال عن الاستثمار في كل ما يمكن أن يحقق عائدا سريعا وكبيرا، أي أن الهدف من تلك الخدمات تحقيق أكبر عائد ممكن قبل تقديم الخدمة أو النظر إلى مستواها. في هذا الإطار تحولت بعض الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم إلى ما يشبه الخدمات السياحية، فالمستشفيات أصبحت درجات وأسعارها تزيد عن أسعار الإقامة في الفنادق ذات الدرجات الممتازة، ولا يتحقق فيها الاهتمام الطبي العلاجي بقدر ما تتحقق فيها وسائل تحقيق الراحة المادية من غرف واسعة ملحق بها صالونات، إلى مكيفات وحدائق وحمامات سباحة قد لا يستخدمها المريض لكنه يدفع ثمنها. الأمر نفسه ينطبق على التعليم، حيث تعمل المدارس والجامعات الخاصة، في معظمها ولا نقول كلها لان هناك استثناءات بالطبع، كما هو الحال في العديد من الأنشطة الخدمية وغير الخدمية، على تقديم واجهة براقة، سواء من خلال المباني والراحة المادية دون اهتمام حقيقي بالرسالة الأساسية وهي التعليم، واصبح من يدفع أكثر يحصل على شهادة أفضل بغض النظر عن مدى التحصيل العلمي. هذا التحول من عالم الرأسمال الأكثر اجتماعية إلى الرأسمال المتوحش الذي لا يعرف غير الأرقام بغض النظر عن ناتج تلك الأرقام وتأثيرها اجتماعيا في الدول التي يعمل فيها لتحقيق هذه الإرباح، لذلك كان لا بد من البحث عن أيديولوجية أو فكر ينظر ويدعو إلى الانضمام إلى قافلة رأس المال والسوق المفتوحة، وفي إطار هذا التنظير تم اعتماد «الديمقراطية الغربية» كأساس يضمن لرؤوس الأموال الانتشار والتمدد في العالم غير الرأسمالي وغير الغربي، وتم تقديم هذا النموذج، ليس سياسيا فقط، بل قدمه رأس المال على انه الطريق إلى الحصول على الاستثمارات الرأسمالية لتحقيق تلك الرفاهية التي يتحدث عنها رأس المال، وكأن رأس المال يتفضل على أي دولة أو مجتمع بالاستثمار، وكأن حقيقة أن رأس المال لا يبحث سوى عن الربح مسألة مشكوك فيها، لذلك حاول «منظرو العولمة» إبعاد تلك الحقيقة وتغليفها بألوان براقة، وبدأت الأنظمة السياسية تتساقط عند أقدام الاقتصاد، لكن هذا لم يكن كافيا لبدء الاستثمار وبدأ رأس المال يستخدم مؤسساته المعروفة من صندوق النقد الدولي إلى البنك الدولي وغيرهما من المؤسسات لتمهيد الطريق إلى إقامة أنظمة على نموذج محدد لا يهم توجهه بقدر ما يهم ما يقدمه من تسهيلات لرؤوس الأموال للاستثمار في توفير الهدوء والخروج بالأرباح إلى المراكز الرئيسية للمستثمر والتي تقع في النهاية في الدول المتقدمة التي ليست في حاجة إلى الاستثمار. مع تمدد رأس المال وانتشاره وصراعه للحصول على تحقيق أفضل المشروعات بأقل الأسعار، حتى يمكن تحقيق أكبر عوائد ممكنة، انتشرت معه أمراضه السرية، وهي أمراض تصيب المجتمع في مقتل وتفتك بجسده دون أن ينفع معها أي دواء، مثل داء الرشوة والفساد السياسي والاقتصادي، إلا أن هذا المرض لم ينتشر فقط في الدول المتخلفة الباحثة عن الاستثمارات الأجنبية بأي ثمن، بل عاد على الدول المتقدمة التي كانت تتباهى بنموذج الحكم الديمقراطي التي تعمل على تصديره إلى مجتمعات لا تقوم على أسس مشابهة للأسس التي تقوم عليها المجتمعات الغربية. انتشار الفساد في المجتمعات المتخلفة ربما يكون مفهوما، أو له أسبابه ومبرراته، ولكن انتشاره في الدول الغربية نفسها التي تحاول أن تصدر نموذجها السياسي للآخرين هو غير المفهوم، ولكن المحللين يعتبرون الفساد شيئا أساسيا ومرادفا لحركة رؤوس الأموال، على أساس أن «رأس المال بلا قلب» لا يعرف الرحمة ويدفع ما دام العائد اكبر. من هنا أصبح علينا أن نتعامل مع قضايا الفساد السياسي والاقتصادي على أنها أحد الأمراض الاجتماعية العادية لهذه الحقبة التاريخية التي تقوم على عولمة الاقتصاد والسوق المفتوحة، ونتعامل معها على أنها جزء من الخبر اليومي في وسائل الإعلام، ولم يعد يدهش أحد اتهام وزير أو مسئول كبير بالرشوة، بل ان اتهام رئيس حكومة أو سياسي بارز عالميا لم يعد يدهش أحد، بل المدهش حقا أن جميع هذه الاتهامات تنتهي إلى لا شئ على الرغم من وجود القرائن المادية على ارتكاب جريمة الفساد المالي والأخلاقي البشعة في حق المجتمع. رؤساء وزارات فاسدون لم يدخلوا ولن يدخلوا السجون، الرئيس الفرنسي السابق ميتران لم يعرف أحد ما مارسه من فساد إلا بعد رحيله، وربما كان هذا مبررا لعدم إدخاله السجن لأنه رحل إلى سجن الآخرة، ولكن هناك هيلموت كول لا يزال في بيته رغم ثبوت الادعاء، وغيره من السياسيين في فرنسا وبريطانيا وأسبانيا، إضافة إلى قضايا الفساد في العالم المتخلف التي تنتهي عادة بحفظ التحقيق. الفساد انتشر وتغلغل حتى في الفئات المنوط بها حماية المجتمع، كالجيش والبوليس والقضاء ولم يعد من أمل في القضاء على هذا المرض إلا بدخولها «قوائم الانتظار» مثلها مثل الأمراض الأخرى حتى تنتهي الحقبة التاريخية لعولمة الاقتصاد والسوق المفتوحة، وحتى تبدأ مرحلة جديدة من المؤكد أنها ستأتي بأمراضها الخاصة أيضا. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا