سائق التاكسي بدا منسجماً مع مجموعة الأبواق التي ثبتها تحت عجلة القيادة ثم أخذ يجربها الواحد تلو الآخر مؤكداً لنا انها متعددة الاغراض، حيث ان البيب الطويل لتنبيه السائق النائم ان الاشارة مفتوحة، والبيب المتقطع للشخص الذي يقف على الرصيف حتى لا يعبر الطريق، والبيب المترافق مع اشارة ضوئية للراكب المتردد حيث ان هذا البوق يشجعه على استخدام سيارة الاجرة، في حين هناك بيب متقطع وطويل ومترافق مع اشارة ضوئية وهو اعلى مرتبات البيب ويمكن استخدامه في حالات الاسعاف. لقد انتهى السائق من شرح اختراعه العظيم لنا وهو يشعر بفخر كبير لأنه يمتلك جهازاً استقدم حديثاً من تايوان يصدر عشرات النغمات من الابواق بعضها شديد الشبه بأصوات الحيوانات او بعضها يشبه طلقات المدافع والثالث أقرب ما يكون الى شخير النائم، وجميعها تم تجريبها خلال رحلة العشر دقائق التي استغرقتها الطريق التي تصل بين طرف المدينة الجنوبي بمركزها المزدحم. كان الرعب جاثماً على وجوهنا ونحن نسمع ابواق السائق الارعن الذي استعرض حماقاته في اجتياز الاشارات الحمراء والسير بين السيارات بطريقة الزك زاك ثم لم يتوان عن فتح باب السيارة ليبصق ارضاً او ليسحب سيجارة حمراء طويلة من واقية الشمس ويمدها لنا من باب الكرم، غير آبه بما نعانيه من رعب او ما نكابده من قلق، وكاد ان يتوسع في شرح فوائد الابواق في الطرقات المزدحمة، لولا محاولة احد الاشخاص الفاشلة في عبور طريق مزدحمة، وهنا تنطع السائق الارعن معلناً ان هذه الحركات الغبية من المشاة تعرقل السير وتسبب الحوادث، وقد شهد بأم عينه حادثاً في منطقة الصنم حيث انفصل رأس امرأة عن جسدها لأنها كانت تمد رأسها من شباك السيارة متحدثة الى بائع البطيخ لحظة مرور سيارة استثمار نمرتها شامية بسرعة الصاروخ ففصلت جسد المرأة عن رأسها، ثم اسهب سائقنا الارعن شارحاً لو كان مكان زوجها ومعه مسدس لقام بقتل كل ركاب السيارة الشامية ولن يحاكم اكثر من سنتين لأنها فورة دم! كان الرعب قد نال منا بشكل تام متمنين ان نصل الى مركز المدينة او الى اي جهة اخرى، المهم ان نغادر سيارة سائق الموت الذي جعلنا نعيش على أعصابنا عدة دقائق ولكن خطر لي ان اسأل نيابة عن المجموعة التي تستقل السيارة: هل ألقوا القبض على السائق الذي قتل المرأة؟ فأجاب منتصراً: أبدا لقد هرب، شمع الخيط وطار دون ان يمسكه احد لان معه سيارة استثمار شامية ولن يدركه احد، وعندها طلبت من السائق التوقف لأننا نريد النزول هنا ولن نتابع الطريق الى ابعد من ذلك وقد وقر في نفسي ألا مفر من هذا الرعب الا بمغادرة سيارة الموت متعددة الابواق التي يقودها سائق ارعن بأسلوب زك زاك قبل ان تأخذني فورة الدم وأتوجه الى اقرب مخفر شرطة للابلاغ عن سائق سيارة الاستثمار الشامية الذي قتل المرأة في منطقة الصنم مشيراً الى هذا السائق الذي كنا معه منذ دقائق جازماً انه بطل قصة قتل المرأة، لولا وجود ثغرات في الكثير من روايته تؤكد انه لم تقع هذه القصة اصلاً وان مجموعة تلك الابواق التي يجربها ليست الا قراقيع اطفال مستلة من دمى رديئة الصنع جربها هذا السائق الذي يشبه بطلاً هندياً مليئاً بكل شيء.. بعيدا كل البعد عن الحقيقة، والحقيقة الوحيدة التي يلمسها المرء هي انه خرج حياً من سيارة الموت وها هو بكامل قواه العقلية يضع اسمه تحت هذا المقال. وسلامتكم من كل مكروه. E-mail:H-S-D@maktoob.com