من الطبيعي لاي زائر عربي في لندن ان يقصد المركز الاسلامي في تلك العاصمة الاوروبية الشهيرة وخصوصا في يوم الجمعة للصلاة والمركز الاسلامي في لندن يقع في مكان متميز في قلب العاصمة البريطانية بجوار حديقة مشهورة اسمها «ريجينت بارك»، وقد بني المركز في منتصف القرن الماضي بمساهمات من الدول العربية وهو يضم مسجدا فخما وامامه ساحة كبيرة وتحيط به مساكن الوعاظ ومدير المركز ومبنى سكني تابع للمركز، ويقصد المركز يوم الجمعة عدد ضخم يتجاوز ثلاثة آلاف مصل من جميع البلاد العربية والاسلامية ومن مختلف الجنسيات والاعمار، وهو بكل معنى الكلمة تجمع اسلامي يشهد بقدرة الاسلام على صهر وتوحيد الجنسيات والاعراق والامم في بوتقة واحدة. وامام المسجد تستعرض بعض الجماعات الاسلامية نشاطها فتوزع منشورات باسمها او مطبوعات كمجلات وكتب، لكن لفت نظري بصفة خاصة بين هؤلاء «حزب التحرير» حيث كانت المرة الاولى التي اسمع بها واقرأ منشورات وكتيبات لبعض افراده، الكتيب الوحيد الذي عليه اسم مؤلفه كان تحت عنوان «الديمقراطية نظام كفر» يحرم اخذها او تطبيقها او الدعوة اليها ورغم انني اعمل في مجال الفكر الاسلامي منذ مايزيد على عشرين عاما طالبا وباحثا واستاذا الا انني لم اسمع بهذا المؤلف من قبل. بدأ المؤلف كتابه بفتوى على النحو التالي: الديمقراطية التي سوقها الغرب الكافر الى بلاد المسلمين هي نظام كفر لا علاقة لها بالاسلام لا من قريب ولا من بعيد، وهي تتناقض مع احكام الاسلام تناقضا كليا، في الكليات وفي الجزئيات وفي المصدر الذي جاءت منه والعقيدة التي انبثقت عنها والاساس الذي قامت عليه وفي الافكار والانظمة التي اتت بها لذلك يحرم على المسلمين اخذها او تطبيقها او الدعوة لها تحريما جازما». وكتيب اخر تحت عنوان «الحملة الامريكية للقضاء على الاسلام»، جاء وصف الغرب بالكفر فيه عشرات المرات، لكن هذا الكتيب ليس عليه اسم احد ولكن من مطبوعات الحزب. وحزب التحرير هذا يحلم بعودة الخلافة الاسلامية ويقسم البلاد العربية والاسلامية الى ولايات. وحينما تتناقش مع مجموعة من شباب هذا الحزب عن كيفية عودة الخلافة الاسلامية؟ قلت: ربما كان من المقبول والمعقول الكلام عن وحدة عربية واسلامية في هيئة سوق اسلامية مشتركة او اتحاد كونفدرالي من خلال منظمة المؤتمر الاسلامي والجامعة العربية. فرد احدهم بتهكم: على طريقة الاتحاد الاوروبي والسوق الاوروبية المشتركة، نظام الحكم في الاسلام هو الخلافة وطريقها معروف شرعا، قلت له: ما ردك على كبار علماء الاسلام الذين يقولون ان نظام الحكم في الاسلام يتفق مع النظام الديمقراطي؟ قال: هذا كلام ما انزل الله به من سلطان وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله دليل عليه. بالمناسبة محدثي كانوا مجموعة من الشباب احدهم طبيب جاء الى لندن لاكمال دراسته العليا في الطب والآخر يعمل وليس لهم صلة بالفكر الاسلامي قلت لهم: مصيبة الاسلام الحقيقية في امثالكم، متحمسون حقيقة للاسلام ولكن دون فهم لطبيعة الإسلام وجوهره كدين ودون فهم لطبيعة الظروف الدولية المحيطة بكم. وبناء على كلامكم يحرم العيش في بلاد الكفار فلماذا ترضون لأنفسكم ان تعيشوا في أوروبا وأمريكا وغيرها من بلاد الكفر؟ ولماذا تسعون إلى الحصول على جنسيات تلك البلاد؟ أليس من الأولى بكم العودة إلى بلادكم بعيداً عن تلك البلاد الكافرة أم ان بلادكم هي الأخرى كافرة؟! آخر فتاوى حزب التحرير كانت تحت عنوان «دمج جيوش البلاد الإسلامية في جيش واحد تحت لواء أمير واحد واجب شرعي» ومما جاء فيه: ان تقسيم بلادنا إلى دول وأقطار ـ بعيد الحرب العالمية الأولى ـ من قبل بريطانيا وفرنسا، هو تقسيم مصطنع أدى إلى شرذمة المسلمين واضعافهم وكسر شوكتهم، والواجب الآن هو إعادة توحيد بلاد المسلمين في دولة إسلامية واحدة ودمج جيوشهم في جيش واحد تحت لواء أمير واحد، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» لتعود وتقتعد مركز الدولة الأولى الذي احتلته طيلة ثلاثة عشر قرناً ونيف من التاريخ. مثل هذه النماذج للأسف الشديد هي عبء شديد يحسب على السلام، ووجودهم في الغرب خصوصاً يجعلهم مرصودين من قبل المخابرات الغربية ودوائر صنع القرار السياسي في الغرب، ويذكي الحملة ضد الإسلام في الإعلام الغربي، فيصور على انه دين أصولي وأتباعه مجموعة من المتوحشين الذين يكنون الحقد على الغرب ويريدون القضاء عليه، وهو ما تريد بعض التيارات العنصرية والصهيونية في الغرب التركيز عليه سواء على مستوى الإعلام أو في الأوساط الأكاديمية، حيث خرجت في السنوات العشر الأخيرة فقط مئات الدراسات في الغرب عن الإسلام الأصولي والأصولية الاسلامية التي تريد تدمير الغرب وتدعو إلى الجهاد والقتال ضد غير المسلمين. هذا مجرد نموذج لكنه للأسف الشديد موجود، ولك ان تسأل من يمول هؤلاء لطباعة تلك الكتب والمنشورات ولصالح من ينشر مثل هذا الكلام؟ وأسئلة كثيرة لا تجد للأسف لها أجوبة. لكن رغم هذا فالصورة ليست سلبية، فإلى جانب أمثال هؤلاء نماذج مشرفة تعمل بفهم ووعي وتتواصل مع المجتمع البريطاني وتكتسب شرعية في هذا المجتمع، فعلى سبيل المثال هناك كلية الدراسات الاسلامية التي يديرها الدكتور زكي بدوي والذي جاء في الترتيب الرابع من حيث الشخصيات المؤثرة في المجتمع البريطاني، وهي كلية محترمة ولها تعاون علمي ومعترف بها من الجامعات البريطانية، كما ان لها تعاونا علميا أيضاً مع جامعة الازهر وفيها مجموعة من الأساتذة المتخصصين الذين درسوا في الجامعات الغربية ويستطيعون ان يتعاملوا مع الواقع بموضوعية وفهم، بعيداً عن أفكار الذين مازالوا يحلمون فقط. ـ كاتب مصري ـ جامعة الإمارات