كثيراً ما يذكرني واقعنا العربي المعاصر بقصة كنا قد قرأناها في مادة اللغة العربية في المرحلة الابتدائية، في تلك القصة كان يعيش ثلاثة ثيران أبيض وأسود وأحمر في غابة تشبه إلى حد بعيد الغابة الدولية التي نعيش فيها الآن والمسماة بالنظام العالمي الجديد، وكان يعيش في نفس الغابة أسد هصور أو هكذا تصور الثيران الثلاثة، ولكن هذا الاسد وبالرغم من هصارته (والمعذرة للنحويين) لم يستطع الظفر بأي من تلك الثيران لأنها كانت لا تتحرك في الغابة إلا مجتمعة. فلم يكن أمام الاسد إلا محاولة الظفر بها فرادى، فما كان منه إلا أن انفرد بالثورين الأحمر والأسود قائلاً لهما والحديث للأسد: «إن الثور الأبيض خطر علينا لأن لونه الفاقع يجلب انتباه أعدائنا فإن تركتموني آكله زال خطره وعشنا معاً في هذه الغابة نقتسم فيها الأرض بسلام». لم يتردد الثوران كثيراً في إجابة الأسد إلى طلبه وإجازة أكل الثور الأبيض، وهما يحسبان انهما يحسنان صنعا وأن السلام المزعوم قادم لا شك فيه ولا عجب فهما ليسا إلا مجرد ثورين لا أكثر، وبعد مدة من الزمن لم تطل جاء الأسد إلى الثور الأحمر وقال له: «إن لوني كلونك وأن الثور الأسود لونه مختلف فلو خليت بيني وبينه وتركتني آكله لأصبحت الغابة لكلينا فقط ولكان نصيب كل منا أكبر مما لو أن الثور الأسود كان شريكاً لنا». وطمعا في الأرض والسلام قبل الثور الأحمر وتخلى عن الثور الأسود وتركه يواجه مصيره الأسود بمفرده. وبمجرد القضاء على الثور الأسود كان الثور الأحمر الضحية القادمة للأسد فحاصره الأسد قائلاً: «ها أنا قد تخلصت من الثورين الأبيض والأسود ولم يتبق إلا أن آكلك الآن. فرد الثور الأحمر بعد أن أدرك فداحة صنيعه: «لم تأكلني الآن بل أكلتني عندما أكلت الثور الأبيضَ، وأخذ يردد «ألا إني اكلت يوم أكل الثور الأبيض». قد لا يجد الإنسان العربي البسيط محدود التفكير، ناهيك عن الخبراء السياسيين والمخططين الاستراتيجيين ومن لهم صلة بدوائر اتخاذ القرار في عالمنا العربي، صعوبة في استنباط العبرة والعظة من هذه القصة الخيالية. ولا شك في أن المتابعين وحتى غير المتابعين للشأن العربي لن يجدوا صعوبة أيضاً في ربط هذه القصة بالواقع العربي اليوم، إذ أن الاسد أي إسرائيل تمكنت من عزل مصر عن بقية القطيع من خلال توريطها في اتفاقية كامب ديفيد، بعد اقناعها بأن من مصلحتها التخلي عن القضية الفلسطينية التي من اجلها خاضت مصر أربعة حروب على مدى خمسة وعشرين عاماً. وبعد تحييد الثور الأبيض جاء الدور على الثور الأسود «العراق»، قبل غزو العراق للكويت وحتى مع فقد ركن مهم في الصراع العربي الاسرائيلي «مصر» كان الحديث عن سلام محتمل مع إسرائيل يعتبر من قبيل الخيانة للقضية العربية الأولى أي قضية فلسطين. أما الآن وبعد التخلص من الثور الأسود فان الحديث عن السلام مع الاسد المغتصب اضحى يصدر من عقلاء هذه الأمة، والأدهى من ذلك والامر أن هؤلاء العقلاء وما أعظم مصيبتنا فيهم وشقاءنا بهم، لا يتحدثون عن سلام عربي إسرائيلي بل تعدوا ذلك وأخذ الحديث يجري عن مسار سوري اسرائيلي وآخر أردني اسرائيلي وما إلى ذلك من مسارات مختلفة ومتوازية تسير بمحاذاة بعضها البعض ولكنها لا تلتقي أبداً. ما أود أن اقوله بعد سرد هذه القصة القصيرة هو ان على وزارات التربية والتعليم ومعها وزارات التعليم العالي في جميع الدول العربية كل فيما يخصه، مراجعة مناهجها وخاصة مناهج القراءة واللغة العربية إذ أن مثل هذه القصص كانت يجب أن تدرس في كليات القانون وكليات العلوم السياسية وليس في المرحلة الابتدائية، علها تكون عونا لقادة المستقبل عندما يصبحوا في مراكز اتخاذ القرار بحيث تجعلهم اكثر وعيا من سلفهم بخفايا الامور واقدر على معالجة هذه القضية الأزلية بحكمة وواقعية، قبل أن يأتي اليوم الذي تقوم فيه الامة العربية شعوبا وقبائل من مشرقها إلى مغربها رجالا ونساء شيوخاً وولدانا على صعيد رجل واحد مرددة «ألا إني اكلت يوم أكل الثور الابيض». وأخيرا أود أن ابين اني لا ادعي ان الدول العربية والنخب الحاكمة فيها ما هي إلا ضحية لمؤامرة دولية حيكت وتحاك ضد هذه الأمة، لسبب بسيط هو اني لا أؤمن بهذه النظرية ابتداء، ولكني ومن خلال هذه السطور أؤكد المسئولية التاريخية للعرب شعوبا وحكاما ومثقفين، ففي البدء أؤكد مسئولية مصر عن الوقوع في فخ التحييد من ناحية، ومسئولية بقية العرب في التخلي عن مصر ومقاطعتها لتقع فريسة سهلة في براثن الاسد الصهيوني، وثانيا أؤكد مسئولية العراق عن غزوه لدولة شقيقة وجارة طالما آمنت بقضاياه وقضايا الأمتين العربية والإسلامية من ناحية، ومن ناحية اخرى أؤكد مسئولية الدول والشعوب التي استسلمت لاحقاد لا مبرر لها وساندت ودعمت النظام العراقي في غيه وعدوانه، إذ أن كثيرا من الدول العربية سعت إلى عرقلة الحل داخل البيت العربي من خلال مواقفها غير المبررة في مؤتمر القاهرة. كما اريد ان أؤكد مسئولية الفلسطينيين عن ذهابهم إلى مؤتمرات اوسلو ومدريد وما تلاها من مؤتمرات من ناحية، ومسئولية العرب مجتمعين من ناحية اخرى عن تسليمهم الفلسطينيين للأسد كي يفعل بهم ما شاء، وأؤكد ايضا مسئولية الاردن عن وقوعها في كمين وادي عربة، وأخيرا أؤكد انفراط العقد العربي وأن القادمين من العرب على طريق الاستسلام قد بانت طلائعهم. إني لا أريد أن تبعث هذه الآلام والذكريات البغيضة من مرقدها من جديد، ولكني اريد ان ننظر إلى الماضي بعيون تملأها العبرة لا العِبرة (بكسر العين لا بفتحها)، كما أريد أن يقرأ أحفادنا يوما ما عن تاريخ هذه الحقبة كما نقرأ نحن اليوم عن حقبة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصلاح الدين الأيوبي عليه وعلى أمتنا العربية وقدسنا الجريح رحمة الله. ـ كاتب من الإمارات