يتردد ضمن تقارير الأمين العام للأم المتحدة تعبير يقصد به التحذير من غائلة (الجفاف) التي باتت تجتاح أنحاء كثيرة من عالم اليوم وهي تهلك الزرع، وتؤدي إلى حال من شظف العيش وقسوة الحرمان التي يعانيها السكان ويستوى في ذلك - ولو بدرجات متفاوتة ـ سكان الشمال والجنوب من عالم اليوم ربما يضاعف من كل هذه الآثار السلبية أن تصاحبها عوامل مدمرة أخرى في مقدمتها طبعا الحروب الأهلية والصراعات الداخلية وخاصة في قارات العالم الثلاث النامية - أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية ، فضلا عن تخلف أدوات وأساليب الإنتاج الذي لم يعد يتوافق مع طموحات السكان فيما يسمى بالعالم الثالث ، ولاسيما أجيال الشباب التي تمارس عليها ضغوط الحرمان والبطالة من الداخل ، فيما تأتيها من الخارج، عبر اتصالات ميديا العولمة الفضائية ضغوط ترسم أمامهم صورا وردية أو فلتقل واعدة مموهة بألوان الطيف الأقرب إلى شكل الحلم الجميل البعيد المنال ـ صورا منقولة عن عالم الشمال ورفاهيته وسهولة حياته ووفرة موارده.. الخ. مع هذا كله يبقى الجفاف سيد العناصر السلبية التي تلون حياة الناس بسواد اليأس والشظف والحرمان أن كان في مثل هذه الأمور سيادة من الأساس. ويبقى الجفاف مرادفا بديهيا لندرة أو شحة الموارد المائية سواء أكان ذلك بفعل عوامل الطبيعة أم كان ذلك مما جنته يد الإنسان. محاضرة في غرب أفريقيا وبمناسبة ما جناه البشر على أنفسهم ، بحسن النيات أو سوئها ، يذكر كاتب السطور وقائع المحاضرة التذكارية التي القاها منذ 12 عاما جوليوس نيريري في مركز المؤتمرات الدولية باليه دي كونغريه في مدينة نيامي عاصمة دولة النيجر الإسلامية في أقصى غرب أفريقيا، كانت محاضرة نيريري مهمة وقد كلفنا كاتب السطور بترجمتها إلى العربية كي يكون نصها العربي في أيدي الناطقين بها من حضور اللقاء الدولي وقت أن كان نيريري يلقيها الذي دخل علينا القاعة وقد أرتدى بدلته التقليدية البسيطة وكان قد تخلى عن رئاسة الدولة في بلده تنزانيا وتفرغ لجهود الفكر والكتابة والوساطة في حل المنازعات الإقليمية والدولية حتى اكتسب يومها لقب معلم نيريري أو حكيم القارة السوداء.. الخ أهمية تلك المحاضرة - كما قد تعيها الذاكرة ، أنها لم تكن مجرد وثيقة فكرية من رجل انضجته وقتها - رغم أخطائه - تجربة السنين داخل الحكم ومن قبله ومن بعده. لقد كانت أقرب إلى وثيقة اعتراف بالأخطاء التي وقع فيها كثير من حكام الدول النامية الذين كان بأيديهم مقاليد الأمور في بلادهم بعد حصولها على الاستقلال. يومها قال جوليوس نيريري مامعناه: لقد وقعنا في الخطأ الجسيم حين تصورنا أن تنمية بلادنا الأفريقية المتخلفة إنما تكون بالإتباع إلى حد التقليد الأعمى لنموذج التنمية الذي سبق إليه الأوروبيون - مستعمرونا السابقون في مجال الزراعة - يضيف نيريري- تصورنا أن التنمية الزراعية إنما تكون بتمهيد الأرض والقاء البذور فيها وإمدادها بكل ما وعاه عصرنا الحديث من سمادات ومخصبات .. تماما كما وجدنا الأوروبيين في بلادهم يفعلون . وهكذا شمرنا سواعدنا السمراء وقصدنا إلى مساحات شاسعة كانت مغطاه في رقعه بلادنا الأفريقية بالأحراش والأدغال واشجار الغابات .. وقمنا بإزالة هذا كله كي نمهد الأرض التي زرعناها بالمحاصيل الحديثة ولم يمض علينا سوى موسم أو اثنين أو حتى ثلاثة إلا وقد لاحظنا أن هطول المطر بدأ يقل في معدلاته وبدأ يشح من حيث دفقه وغزارته والذي حدث أننا حين قمنا باجتثاث الأشجار وإزالة الغابات فقد أزلنا الغطاء النباتي كما يسميه الاختصاصيون وهذا الغطاء الطبيعي كان عنصرا أساسيا بل حيويا من الدورة المائية التي تجعل النبات ينفث في عمليات التمثيل البيولوجي غاز الأوكسجين إلى البيئة المحيطة ويساعد على تلقيح السحب في أجواز الفضاء ومن ثم يهطل المطر في مواسمه الموقوتة والمرصودة منذ الأزل فيسقي الغابة وإحياءها من نبات وحيوان وبشر.. الخ. لقد اختلت الدورة المائية التي كانت جزءا من نواميس الطبيعة وقوانين البيئة الأيكولوجيا وكان أن خسرنا الغابة وخسرنا الزراعة الحديثة ولم نكد نكسب سوى ظاهرة الجفاف التي حلت في بقاع شتى من أفريقيا. أهمية غابات الأمازون وهكذا تحدث جوليوس نيريري وخلص إلى أهمية الحفاظ على ما تبقى من رصيد البشرية من هذا الغطاء النباتي النفيس مشيرا إلى غابات منطقة الامازون في أمريكيا الجنوبية - البرازيل بالذات وكانت هذه الإشارات تتم في إطار الدعوة إلى عقد أول مؤتمر دولي معنى بقضايا البيئة والتنمية. وقد عقد بالفعل - كما هو معروف - في عام 1992 ولم يكن صدفة أن يكون هذا الانعقاد في ريودي جانيرو أكبر مدن البرازيل على مستوى منطقتنا في الوطن العربي كما نسميه أو منطقة الشرق الأوسط وهو التعبير السياسي الذي شاع أو عملت على إشاعته - رغم تحفظنا عليه - دوائر الميديا العالمية - على مستوى ربعنا كما قد نقول لم تصل ظاهرة الجفاف فيما نرجو إلى مثل تلك الأبعاد المريعة التي تتطرق إليها أحيانا تقارير الامين العام للأمم المتحدة المقدمة إلى هذه الهيئة الدولية أو لتلك ولاسيما الهيئات المعنية بالاغاثة وتقديم المساعدات العاجلة في حالات الطواريء إلى المناطق المنكوبة وفئات السكان المستضعفة التي تعيش فيها. المياه بين الكارثة والمشكلة نحن نتصور أن ليس لدينا كارثة جفاف في العالم العربي - ولكن نحن نعلم وعلينا أن نحذر من أن أمامنا في الفترة المقبلة مشكلة ندرة أو شحة في الموارد المائية في العالم العربي أيضا وخاصة في منطقة الشرق ووادي النيل ان شئت التحديد. نبادر أيضا فتقول ان مشكلة المياه واحتمال ندرتها أمر لا يختص به العرب وحدهم بل هي مشكلة عالمية - هل نقول عولمية - غوبالية بمعنى كوكبية تشمل سكان الأرض جميعا بصورة أو بأخرى يستوى في ذلك أقصى الشمال من العالم أيسلندا مثلا واسمها مشتق بدقة من معنى (ارض الثلوج) وبمعنى أنها محفوفة بجبال الجليد التي تعتبر في التحليل الأخير مخازن ثمينة لحفظ الرصيد المائي الكوكبي ولكنها لم تعد كذلك، بعد أن رصد العلماء ظاهرة ذوبان جبال الجليد الإيسلندية بسبب ظاهرة التساخن الكوكبي أو ببساطة ظاهرة الارتفاع الحثيث في درجة حرارة كوكب الأرض وهو ما حاولت اتفاقية كيوتو الشهيرة مكافحته، وهي الاتفاقية التي مابرحت تعارضها - حتى تاريخه - الولايات المتحدة الأمريكية - أكبر طرف عالمي مسبب لهذه الظاهرة البالغة الخطورة ظاهرة ذوبان الثلوج في إيسلندا كانت محورا لتحقيق علمي مهم ومفصل نشرته مجلة (كونفرنس نيوز) الدولية المهمة بشئون البيئة في العالم عدد 16 يوليه 2001. حقائق أزمة المياه وبديهي أيضا تلك المقولة التي ترددت كثيرا حول حرب المياه في القرن الجديد وحول المياه التي يعدها المراقبون بنزول القرن الحادي والعشرين وبعيدا عن تلك المقولات ، وبعضها يطرح - بالعمد - على سبيل التخويف - فالواقع يطرح علينا بعضا من الحقائق التي لابد - في رأينا المتواضع - أن يعيها جيدا كل مهتم بالشأن الوطني - القومي - العربي العام .. ابتداء من صانع القرار راسم السياسة وليس انتهاء بالمواطن الذكي المثقف اللبيب ومن هذه الحقائق ما يمكن أن نلخصه فيما يلي: (1) يقدر الخبراء الثقات أن منطقة الشرق الأوسط قد تشهد في مدى السنوات العشر المقبلة أزمة في المياه قد تصل في استخدامها إلى حد أن تشكل عاملا لنزاعات وخلافات يمكن أن تبلغ إلى حد الصراع أو المواجهة وذلك ما لم تتم المبادرة إلى تخطيط إقليمي نحن نفهمه على المستوى العربي بالذات وقبل أي طرف آخر يهدف إلى زيادة مواردنا من المياه العذبة ونشر الوعي بترشيد بل وتقنين استخدام ما تحت يدنا من هذه الموارد المائية . (2) على مستوى العالم قدمت وكالات الاستخبارات الأمريكية في عام 2000 الماضي إلى الرئيس وقتها بيل كلينتون دراسة تنبؤية مسحية أو استقصائية كما وصفوها نيويورك تايمز في 1482000 أفادت بأنه في غضون 15 سنة ستبلغ أزمة المياه العالمية ذروة قاسية يشتد معها مستوى التوتر في علاقات الدول وركزت الدراسة المذكورة على الشرق الأوسط وخاصة منطقة الشام شرقي البحر المتوسط لتقول أن الأمر قد يصل إلى حروب إقليمية وخاصة في ظل أزمة المياه التي يعانيها الأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية وسورية ولا يتورع تقرير المخابرات الأمريكية عن الإشارة إلى مصر التي تحصل كما يقول التقرير عن 85 في المائة من مياه نيلها من أثيوبيا التي يصفها التقرير بدوره بأنها تشمل سكانا يتميزون بمعدل زيادة سريع ومن ثم زيادة احتياجاتها المائية. إن السياسي الأمريكي بول سايمون وهو سناتور سابق من أركان الحزب الديمقراطي ويعمل الآن مديرا لمعهد بحوث السياسة العامة في جامعة اللينوي له اهتمام خاص بقضية المياه بشكل عام وبأوضاع المياه في الشرق الاوسط بشكل خاص. (3) وفي التقرير الذي اشرنا إليه منشورا في صحيفة نيويورك تايمز يقف بول سايمون مليا عند العلاقة العكسية - البديهية طبعا - بين توقعات زيادة السكان في منطقة الشرق الأوسط وبين احتمالات نقصان الموارد المالية ومن ثم احتمالات زيادة التوترات التي قد تفضى إلى شكل من أشكال الصراع. ولا نبرئ من الغرض أحدا ومهما حاول دارسون أمريكيون أن يطرحوا أفكارهم من منطلق الموضوعية فنحن نرى أن طروحاتهم هذه لا تنطلق من مجرد التغزل في عيون العرب العسلية بل تصب في معظمها في مصلحة المشروع الإسرائيلي ومن أجل الحفاظ عليه والحرص على استمراره وإزدهاره لهذا يدعو السناتور السابق سايمون ولو بصورة مبطنه إلى أهمية العمل على مستوى تعليمي (بين العرب وإسرائيل) ويطلق على هذا العمل وضعا جذابا هو: تشكيل رؤية إقليمية من أجل خطة عملية وعلى الطريقة الأمريكية يلوح السناتور سايمون أيضا بالإمكانات المالية الكفيلة بعملية بيع مثل هذه المقترحات للساسة وأيضا للرأي العام فيقول وهو بصدد الحديث عن مشاريع تحلية مياه البحر المالحة: من شأن مشاريع تنفذ في هذا المضمار أن تكون باهظة التكاليف ولذلك ينبغي أن تقف أمريكا ودول أخرى على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدات من منطق فالثمن هنا سيكون أقل من كلفة الصراع. مع ذلك . وأيا كان رأينا في مثل هذه الأحاديث من حيث الهدف والمصداقية - علينا أن نتعامل معها من منطق الجد الشديد . ظاهرة انكماش الأنهار ذلك لأننا في منطقتنا بل وعلى مستوى العالم أمام مشكلة حقيقية هي مشكلة ارتفاع استهلاك المياه وهو مؤشر على نجاح خطط التنمية وارتفاع مستويات المعيشة في ظل انخفاض مطرد في حجم ودفق ومدى تجدد الموارد المائية في العالم وهو أمر مشهود ومرصود وتؤكده تقارير شتى تقول بأن مخزونات المياه الصخرية والجوفية في تضاؤل وأن الأنهار في حالة انكماش ولقد تضيف نحن ـ اليعاربه الميامين ـ عاملا قد نختصبه وهو أننا نستهلك المياه دون وعي بأهمية ترشيدها أو تقنينها ولا غرو فنحن للأسف ورثه الشاعر الجاهلي المتغطرس الذي لم يتورع يوما عن أن يقول في معلقته الشهيرة الحافلة بضروب الزهو الأحمق. ونشرب أن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا والمشكلة هي اختلال مصطلح غيرنا إذا كان ايصدق أيام الشاعر عمرو بن كلثوم على القبائل من جيرانه المغلوبين على أمرهم أما بالنسبة لنا فإن مصطلح غيرنا قد ينصرف إلى الأجيال المقبلة من أبنائنا وأحفادنا. إحصاءات البنك الدولي في هذا السياق لن نستطيع فكاكا فنصرف النظر مثلا عن تقارير وإحصاءات البنك الدولي بصدد أزمة المياه في العالم حين يقول البنك: في عالم اليوم مطلع الألفية ( يعيش نحو 300 مليون إنسان في مناطق تعاني شحه شديدة قاسية في المياه والمشكلة يضيف البنك الدولي - أنه في مدى 25 عاما سوف يزيد هذا العدد من البشر ليصبح 3 مليارات إنسان يعانون بدورهم من أزمة المياه. وفي هذا السياق أيضا تؤكد تقارير البنك الدولي انه ليس هناك طرف يمكن أن يعفى من مغبة هذه الأزمة لا في الحال - كما يقولون - ولا في الاستقبال يستوي في ذلك أمر دولة رفاهية مثل أمريكا وأمر دولة بلايين من البشر مثل الصين و.. خذ عندك. أمريكا يعيش فيها 4 في المائة من سكان العالم ومن حسن حظها أنها تشمل 8 في المائة من رصيد العالم من المياه العذبة وهي تتلو في ذلك دولة محظوظة أخرى يقال أنها تشمل أغنى مصادر الماء العذب في العالم وهي كندا - ومع ذلك فأمريكا تلجأ في مواسم الصيف بالذات وفي مناطق شتى من رقعتها إلى تقنين استخدام المياه وبعض ولاياتها تعمد إلى تشكيل شركة أهلية من متطوعين مدنيين يرتدون شارات خاصة ويراقبون مخالفات هذا الترشيد ويبلغون عمن تسول له نفسه أن يروي حديقته أو حتى يغسل سيارته بمياه جارية مخالفا بذلك قوانين الترشيد والحفظ. الصين وضعها أصعب بكثير: صحيح أن بها 7 في المائة من مياه العالم العذبة ولكن مشكلتها أن بها أيضا 22 في المائة من سكان العالم. اقتراحات السناتور الأمريكي على مهاد هذه الصورة نعود إلى السناتور بول سايمون الذي يطرح بعض المقترحات الموضوعية والمفيدة أو الجديرة بالتأمل في هذا الخصوص .. يقول: العالم بحاجة إلى نظام دولي لتقدير وتقييم تدفقات المياه وأحجام ومخزونات مستودعاتها الطبيعية وتلك مهمة فنية رفيعة التخصص والدقة. ولما كانت مشاكل المياه على هذا القدر من التخصص التقني لدرجة أن يصعب معالجتها عند طرحها على محفل قضائي عالمي مثل محكمة العدل الدولية في لاهاي فثمة اقتراح بإنشاء محكمة دولية (جديدة) لشئون المياه وذلك على غرار ما فعلته بعض الدول في غرب أوروبا.وسواء أخذ العالم أم لم يأخذ.. بمثل هذه المقترحات فلاشك عندنا أن العرب بحاجة على مستوى أقطارهم إلى نشر وعي عميق بأهمية قطرة الماء بالنسبة لمجتمعاتهم الراهنة وأيضا بالنسبة لأجيال مازالت في علم الغيب. ـ كاتب مصري