كان أول شيء فعلته بعد أن عدت من الولايات المتحدة، حاملا معي في الطائرة ما حملت من مئات الكتب، وبعد أن وصلت الكتب التي شحنتها بطريقة مغايرة، وبعد أن فرغت قليلا لنفسي ومكتبتي الخاصة، أقول: كان أول شيء فعلته هو تأمل غرفة المكتبة التي اكتظت بالكتب والبحث عن كيفية وضع الكتب الجديدة وكراتينها، وأمام الأرفف الممتلئة إلى آخرها، أحاول البحث عن حل. وكنت مدركا أن مجموعة غير هينة من الكتب لابد من إنزالها عن الأرفف والتخلص منها، وحددت على نحو أولى هذه الكتب، وقلت لنفسي: يمكن التبرع بها لبعض المكتبات الخيرية، أو بعض تلامذتي الذين لايزالون في حاجة إليها. وكانت هذه هي الخطوة الأولى التي سرعان ما اكتشفت أنها لن تحل المشكلة، فانتقلت إلى الخطوة الثانية، وهي الفصل بين كتب التراث بجميع فروعه، وكتب الأدب الحديث والدراسات النقدية الحديثة بكل فروعها. ولحسن الحظ أنني كنت أتوقع هذه الأزمة منذ أشهر، فقررت تخصيص بيتنا القديم ليكون مكملا للمكتبة وقررت نقل كتب التراث إليه، واستبقاء الكتب الحديثة في منزلي الحالي، وأعتقد أنني بهذا التخطيط قد واجهت الأزمة، ومن ثم انتقلت من التخطيط إلى التنفيذ. وكانت الخطوة الأولى التخلص من الكتب التي لم أعد أراها ضرورية. وأخذت أتطلع إلى الكتب على الأرفف، وأتوقف عند كل عنوان، مكتشفا أنها ليست كتبا صماء أو مجرد عناوين، وإنما هي كائنات شبه حية صاحبتها وصاحبتني لسنوات طويلة، وكان لكل كتاب ذكرى ولكل عنوان تداعيات. صحيح أن أماكن الكتب نفسها تغيرت أكثر من مرة، بدأت بنقل الروايات والمسرحيات من غرفة المكتب ووزعتها على ردهات البيت كله في دواليب أعددتها لذلك، غير عابئ باعتراضات زوجتي التي رأت بيتها يتحول إلى مكتبة، ورأت الكتب تزاحمها حتى في غرفة النوم. لكنها سيدة طيبة تحبني وتحب العلم من أجلي. ثم جاءت دورة تغيير الأولويات، فأزحت كتب النقد الماركسي التقليدي الذي كان شائعا في الخمسينيات والستينيات مع كتب الوجودية، ووضعت في مكانها كتب البنيوية التوليدية. وما لبثت مساحة هذه الكتب أن اتسعت بظهور الهرمنيوطيقا أو فلسفة التأويل ونظريات التفكيك وخطاب ما بعد الاستعمار ومدرسة النقد الثقافي والنزعة التاريخية الجديدة. وطبعا حدثت عمليات إزاحة وإحلال، وانتهى الأمر بتقلص كتب البنيوية نفسها بفرعيها، وطغيانها، وطغيان كتب خطاب ما بعد الاستعمار والنقد الثقافي. وها أنذا اليوم أفكر في تغيير الترتيب، فقد تضخمت كتب النقد الثقافي وخطاب ما بعد الاستعمار والنزعة التاريخية، وأجد الكتب المنتمية إلى هذه التيارات تحل في أرفف مكتبتي كما تحل في قلبي وعقلي، وتزاحم نظائرها الجديدة كما تزاحم الزوجة الجديدة الزوجة القديمة، وأعتذر عن التشبيه فورا مخافة رقابة أم العيال، وأنا والحمد لله لا أعرف غيرها. ولكن الأمر لا يقتصر على التيارات التي أشرت إليها فحسب، فهذه هي كتب الحداثة، أذكر جيدا أول كتاب اشتريته عنها، كان الشيب لم يعرف طريقه إلى رأسي بعد، لا يزال هذا الكتاب موجودا، ظهرت على غلافة آثار المراجعة الكثيرة، ولكنه أصبح واحدا إلى جانب أقران كثيرة له، بل سرعان ما زاحمته كتب أخرى عن ما بعد الحداثة التي تضخمت واشتملت على كتب ما بعد البعد، ويبدو أن ما بعد البعد سيكون ما بعد آخر. وأخذت أقلب عيني بين أرفف هذا الحائط الذي تقع عليه كتب أعلام النقاد في البداية، كانت كتبا لريتشاردز ورينيه ويليك وأوستن وارين وكلينث بروكسوت. إس. اليوت وأشباههم، زاحم هؤلاء رولان بارت وتودوروف وجيرار وجاك لاكان وفوكو وغيرهم من أعلام البنيوية وما بعد البنيوية، وسرعان ما لحق بالجميع وأزاح الصفوف جاك دريا الذي أتخيل أنه ينشر أكثر من كتاب في العام الواحد، وإلى جانبه مواطنه الفرنسي برديو أكبر منظر في علم اجتماع الثقافة بعامة وعلم اجتماع الأدب بخاصة، واتسعت القافلة لتشمل أسماء أخرى لنظرية الاستقبال «ياوس، إيزر» ودراسات القارئ «جيرالد يرنس وأقرانه » فضلا عن هابرماس ومن لف حوله. أما هؤلاء الأقرب إلى مكتبتي فهم كتب إدوارد سعيد وإعجاز أحمد وهومي بابا وجاياتري سبيفاك. ومضيت أتأمل التحولات التي طرأت على أرفف المكتبة، الكتب التي جاءت والكتب التي ذهبت، والكتب التي سرقت «وقد وهبني الله بعض التلامذة الذين يرون سرقة الكتب من استاذهم حلالا» والكتب التي تزحزحت والكتب التي انتقلت، والكتب التي كانت في الصدارة وأصبحت منزوية، والكتب التي كانت على الأرفف المفتوحة وانتقلت إلى الخزائن المغلقة، والكتب التي كانت في الأعلى وهبطت إلى الأسفل، حياة كاملة هي عمر ارتحالات هذه الكتب، عمر تغير ترتيب هذه المكتبة على السواء.. وإذا استرجعت هذه الحياة استرجعت معها مراحل عمري الأكاديمي والثقافي، وأسترجع معها التحولات الأساسية للحياة الثقافية ومتغيراتها الجذرية. كم مرة حدث هذا. الأولى بالقطع كانت في الستينيات مع تكون هذه المكتبة بعدد أقل من أصابع اليدين في البداية، وبعدد متزايد وصل إلى خزانة وحيدة كبيرة في أول بيت قطنت فيه بعد الزواج. وأذكر أن البيت كان واسعا في ذلك الوقت، وأماكن الفراغ عديدة، إلى درجة أن أستاذي حسين نصار قال لي عندما زارني في ذلك المنزل للمرة الأولى: لماذا لا تأخذ بعض كتبي تضعها عندك. ولم تكد سنوات قليلة تمضي إلا وأصبحت الخزانة الوحيدة خزائن، وشيئا فشيئا ضاق البيت الواسع، وازداد ضيقا مع مقدم الولد والفتاة ومقدم عشرات الكتب. ودخلنا إلى السبعينيات، وبدأت كتب البنيوية تدخل إلى البيت، وتزيح غيرها لتجلس محلها، وأسافر للمرة الأولى إلى الولايات المتحدة وأعود محملا بعشرات وعشرات من الكتب الجديدة، وبدأت المذاهب الجديدة تظهر، ويتغير النقد الأدبي تغيرا جذريا شهدت الثمانينيات ثماره في مجلة « فصول» التي أسهمت في تأسيسها وأصبحت - فيما بعد - رئيسا لتحريرها. واحتجنا إلى بيت أكثر اتساعا، يحمل المزيد من الكتب، ويتيح للمذاهب الجديدة أماكن صدارة أجد، ويتيح للولد والبنت فراغا بعد أن كبرا ودخلا الجامعة وأصبح للبنت مكتبتها الصغيرة التي كبرت معها إلى أن حصلت على الدكتوراة في المسرح الأسباني، وعرف البيت الجديد الكتب الأسبانية إلى جانب الكتب الإنجليزية، وانتقلنا إلى البيت الجديد، وتركنا الثمانينيات إلى التسعينيات، فإذا بالمشهد النقدي يتغير بدوره، ويأتي خطاب ما بعد الاستعمار والنقد الثقافي، ويوازي كتب التفكيك كتب النزعة التاريخية الجديدة، وتتكرر عملية الإحلال والإبدال، وتتزايد مع الزيارة الثانية الطويلة للولايات المتحدة في منتصف التسعينيات. وهنا آنذاك في مطلع الألفية الثالثة والقرن الحادي والعشرين أشهد تغيرات جذرية أخرى، ويضيق البيت الأوسع بالكتب، واستخدم البيت القديم مخزنا للكتب، وأنقل إليه كل ما لا أحتاجه على نحو فوري، وكل ما لا استطيع فراقه. ومهما تخلصت من الكتب تزداد، وتزحم كل شيء حولي. ولكنني سعيد بذلك راض به، اداعب زوجتي عندما تشكو، واذكرها بأيام ان لم يكن عندنا سوى خزانة واحدة، فتستغرق في ذكريات شبابنا البهيج وتنسى اعتراضاتها. أنظر الآن إلى كتب كانت شغلي الشاغل في سنوات الستينيات، أرجع إليها مرارا، وأقوم بتدريسها، لا أكاد أذكر ما فيها الآن بوضوح، بهتت في ذاكرتي، وأصبحت بمثابة ذكريات بعيدة، جميلة مثيرة مؤثرة، لكنها بعيدة ونائية، وإلى جانبها كتب أخرى جاءت مع السبعينيات وطردت كتب الستينيات، وظلت متمكنة مسيطرة، حاضرة، لكن سرعان ما طردتها كتب الثمانينيات، وها هي كتب التسعينيات تبدو كما لو كانت تقول: ولكنني مازلت موجودة ومؤثرة! ولكن إلى متى؟ وأدرك تدريجيا بعمق أكبر أن تغيرات المكتبة هي انعكاسات للتغيرات التي حدثت في اهتماماتي الثقافية. لا أذكر مثلا أنني كنت أهتم بالكتابات الفكرية الفلسفية في الستينيات، وأن هذا الاهتمام أخذ يتزايد، وأخذت أدرك أن دراسة الفلسفة وتياراتها أمر بالغ الأهمية لكل من يريد أن يتعمق درس النقد أو يمارسه. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فهناك الكتابة التي امتدت من النقد الأدبي إلى قضايا الفكر ومشكلات الثقافة، وحملت مع كل امتداد اهتمامات جديدة وكتبا جديدة. هل تراني سأشهد تغيرات جذرية أخرى كثيرة على هذه المكتبة؟ لا أظن. لم يعد في العمر متسع. والسنوات التي تقترب من الستين بخطى سريعة تقول إن التغيرات الماضية أن مبدأ التغيير نفسه هو أهم المبادئ الفاعلة في الثقافة الحية، وأن المكتبة المتغيرة علامة على الحيوية الفكرية وعلى المتابعة الدائمة، وأن أهم شيء للمشتغل بالعمل هو أن يقرأ ويتابع وأن يسعى إلى الكتب حتى لو على طريقة الحلاج التي وصفها صلاح عبد الصبور بقوله: «لهثت وراء العلوم سنين، ككلب يشم روائح صيد، فيتبعها، ثم يحتال حتى ينال سبيلا إليها، فيركض، ينقض.