يدفعني التمسك بآخر خيوط الأمل الواهي إلى رفض الاعتراف بانتهاء العمر الافتراضي لروح أمتنا العربية الاسلامية، التي يبدو انها تستمرئ حالة التعذيب وجلد الذات، بإصرارها على الوقوف في مقاعد المتفرجين على مأساة حرب الإبادة الإرهابية التي تشنها «مافيا» الارهاب الصهيوني بزعامة الارهابي المخضرم السفاح ارييل شارون، وتنتقل من مشاهد قتل الأطفال والعزل برصاص مطاطي أو صواريخ طائرات أباتشي الأمريكية، إلى مشاهد الاغتيالات المنظمة للقيادات السياسية الفلسطينية، بصواريخ موجهة بإشارات مُشفرة من العملاء المندسين وسط الشرفاء، وهم يخبئون لهم الموت المغلّف بابتساماتهم الصفراء! ولا أصدق.. رغم توفر كل الشواهد والأدلة ان الروح قد فارقت جسد الأمة، عندما ارتضت موقف السكوت على العدوان، وعجزت عن النهوض لإغاثة الشقيق المحاصر بين ارهاب آلة الحرب الصهيونية من جهة وإرهاب الدبلوماسية الأمريكية من جهة أخرى، واكتفت بعزف لحن جنائزي، وإنشاد نداءات عبثية تستنجد بـ «الراعي» الأمريكي لسلام أزهقت روحه بيد الراعي لا غيره، في تكرار لحكاية الثعلب عندما يتقمص ثوب الواعظ! وأعاند رافضاً الانضمام لمن سيؤدون غداً صلاة الغائب في بعض مساجد فلسطين على روح الأمة، رغم اعترافي بكامل حقهم فيما يفعلون، وأقر بفضلهم وتفضيلهم علينا جميعاً، ويكفيهم انهم لم يبخلوا حتى بأداء مراسم الوداع والنعي والتشييع لجسد أمة، استهانت بحقها، وارتضت الركون إلى ضمير غاصبيها الغائب، فهانت عليها الكرامة، ودفعت عدوها لاهانتها، وتجريعها الإهانة كؤوساً متخمة بالحنظل. وأمني نفسي بصحوة قرُب فجرها رغم طلاسم الظلام الدامس، وأغرق حتى النخاع في تراتيل أمجاد الماضي، لأمة كان ديدنها تفضيل الموت على تجرع المهانة، ولأمة استنهضت وحشدت جيوشها وأعلنت التعبئة من أقصى حدودها الشرقية إلى تخومها الغربية لنجدة امرأة عربية أهينت في بلاد الروم، وصاحت مستغيثة بخليفة العرب والمسلمين بصيحتها التي صارت مضرباً للأمثال: «وامعتصماه» ولاقت آذاناً صاغية وإرادة ونخوة عربية، وجاء الانتقام فورياً، بدون تردد أو حسابات صغيرة لعقول فقدت بوصلتها وأرواح مهترئة، وإرادات ذابت في عمليات الترويض وأدمنت التبعية، وفقدت الحس السليم بما ينفع أو يضر، وصار مجرد بقائها هو حلمها حتى لو كان البقاء عارا لأمتها. وأعاود الكرة، مؤملاً بخروج الأمة من غفوتها الحالية، التي تقعدها عن النهوض دفاعاً ليس عن الكرامة فقط بل عن وجودها ومستقبلها، فما يجري على أرض القدس مجرد مقدمات لما ينتظر كل العواصم العربية، التي يخطط الصهاينة لفرض هيمنتهم عليها بكل الطرق. وأجدني وقد أكون واهماً بانتظار هبة عربية تعيد للجسد الخامل عافيته، وتطهره من أدران إدمان تعذيب الذات ورهن المصير بيد الآخر. على انني لا أميل لأحلام اليقظة وأدرك ان عودة الروح لجسد الأمة مرهونة بعملية شاقة أقرب لفصد دم المريض المحموم، حتى يتطهر من الدماء الفاسدة الملوثة، ويستعيد نقاءه وعافيته ووعيه، ويعود عروبياً اسلامياً خالصاً، عندها نصطف جميعاً توحدنا الارادة وتحركنا الكرامة العربية، ويشدنا فجر جديد لأمة عانت المهانة والضيم، لكنها تجاوزت عبر تاريخها كل المحن، لتقف شامخة برسالتها للانسانية. وعذراً لمن دفعهم اليأس وعجز الشقيق عن اغاثتهم إلى تشييع روح الأمة، فالجسد قد يترهل لكن الروح تبقى مشتعلة، وإن اخفتها ركامات الرماد.