ربما تكون أغلبية الحكومات العربية غير راغبة أصلا في تقديم أي عون إلى المقاومة الفلسطينية، لكن تهاون القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية في التعامل مع هذه الحكومات بالمستوى الحاسم والحازم الذي يتطلبه الموقف العصيب المتصاعد في الارض المحتلة، يعطي عذرا جاهزا ومشروعا للحكومات لحصر «مساعدتها» للمقاومة في اطار بيانات الشجب بمبرر «ان الفلسطينيين لا يطالبوننا بأكثر من ذلك». وطالما بقيت البنية السياسية بقيادة السلطة الوطنية الفلسطينية تضم شخصيات تعتبر الاسلوب التفاوضي هو النهج الحكيم والاوحد، والكفاح المسلح مجرد تهور وسفه فان الموقف السلبي للحكومات العربية لن يتغير. دون سقف اشعال الحرب الاقليمية الشاملة بالجيوش الحكومية التقليدية، فان التدابير المتاح للحكومات العربية تقديمها إلى المقاومة الشعبية الفلسطينية الباسلة لضمان استمرارها قوية وارتقاء ادائها نوعياً، تكاد تكون بلا حصر. في متناول الحكومات العربية اولا كأدنى درجة للحد الادنى ان تسمح لجماهير شعوبها بتسيير المظاهرات السلمية لرفع معنويات اشقائهم في فلسطين باشعارهم على الدوام بأنهم ليسوا وحدهم. أما على الصعيد الرسمي فان على تلك الحكومات التي تحتفظ بعلاقات مع الدولة اليهودية أن تبادر بقطعها فورا، فقد انتقلت القضية الفلسطينية دائرة السلم إلى دائرة الحرب مما يستوجب قطع أي روابط سلمية مع العدو. وبوسع الحكومات العربية جميعا اعادة الاعتبار لنظام المقاطعة التجارية الشاملة، المباشرة وغير المباشرة، ضد اسرائيل، وعندما تدرك الشركات الغربية الكبرى، خاصة الامريكية منها، انها امام حتمية خسران تعاقدات كبيرة في كل القطاعات، من قطاع المقاولات والانشاءات الكبرى إلى قطاع السلع الغذائية مرورا بقطاع السلع المعمرة كالسيارات والالكترونيات، اذا واصلت التعامل مع اسرائيل، فانها سوف تعرف حينئذ في أي وجهة سياسية توجه مصالحها الحيوية الربحية. وتستطيع الحكومات العربية اذا ارادت ان ترتب امدادات منتظمة من ذخيرة السلاح، خاصة القذائف المضادة للدبابات، لقيادة المقاومة الفلسطينية. وبوسع الحكومات التبرع بالاموال أو تمويل المشتريات الضرورية المعيشية لاسر الشعب الفلسطيني، كما يمكنها ان تسحب ارصدتها المالية من البنوك الامريكية لاعادة ايداعها في بنوك اوروبية ويابانية، أو تحويل هذه الارصدة من الدولار الامريكي إلى اليورو الاوروبي. هذه مجرد امثلة.. لكن رغم انها تمثل حدا ادنى بالمقارنة مع اعلان الحرب الشاملة فان السلطة الفلسطينية لا تميل إلى مطالبة الحكومات العربية بها، فالقيادة السياسية الفلسطينية تدرك في قرارة نفسها ان السلطة الفلسطينية الحالية ربما تكون في المدى البعيد احدى ضحايا الانتفاضة الشعبية المسلحة. اننا بازاء مشهد غريب وشاذ يتجسد في فجوة متنامية بين طاقم القيادة السياسية السلطوية من ناحية والقيادة الميدانية للنضال المسلح اليومي المكونة من قادة فصائل مختلفة من ناحية اخرى، وفي تعاملها مع الحكومات العربية فان القيادة السلطوية لا ترتقى إلى مستوى المطالب الحقيقية للمقاومة. هل اذن آن الاوان لتغيير البنية القيادية للسلطة الوطنية الفلسطينية لتأتي قيادة جديدة من العناصر الميدانية؟ أقول: نعم دون تردد. ان الفصائل الرئيسية الناشطة الآن في معمعة المقاومة المسلحة بشتى اشكالها هي «فتح» و«حماس» و«الجهاد» و«الجبهة الشعبية» و«الجبهة الديمقراطية»، وهي جميعها الآن باتت تعتبر نهج اوسلو واسطورة السلام الاسرائيلي الامريكي ضربا من الكفر. وعندما تتكون سلطة فلسطينية جديدة من عناصر هذه الفصائل الميدانية الراديكالية، فان الحكومات العربية سوف تجد انها بسبيل التعامل مع موقف فلسطيني جديد تماماً.