في مقال لأحد مشاهير الكتاب، تناول مجموعة من الموضوعات دفعة واحدة حيث طرح بعض الافتراضات واعتبرها من البديهيات والمسلمات، ثم استنبط منها بعد ذلك إستخلاصات مدهشة. فقد افترض قاعدة تحكم اتجاهات المفكرين والمشتغلين بالحياة السياسية في مصر تجعلهم ينقسمون إلى إتجاهين: أولهما: يهاجم التجربة الناصرية ويرفض الإشتراكية ولا يمانع في التطبيع مع إسرائيل، وثانيهما: لا يتحمس للمسيرة الساداتية. ومن هذه القاعدة التحكمية التي لايمكن أن يدعمها منهج أو يؤيدها واقع الحياة السياسية في مصر، يبدي المقال إعجابه بما رآه منهجا معتدلا لأحد الكتاب بإعتباره قد كسر القاعدة السابقة وقدم قاعدة جديدة تقول: إن المصريين قد يختلفون في الرؤى السياسية ولكنهم أبدا لا يختلفون أمام المواقف الوطنية. أي أن المقال قد اختصر الإتجاهات السياسية في مصر إلى إتجاهين رئيسيين، اضاف إليهما ذلك الكاتب وحده باعتباره إتجاها ثالثا، فالفكر السياسي المصري إما أن يهاجم عبد الناصر، وإما أن يهاجم السادات، أما الثالث المكتشف حديثا فهو الذي يهاجم عبد الناصر ولكنه يهاجم معه إسرائيل. ومع تقديري الشديد لهذا الاجتهاد، إلا أنني أراه تبسيطا فادحا للإتجاهات السياسية الوطنية المصرية التي تتجاوز كثيرا كل الأسماء مهما بلغ قدرها، ولايمكن اعتبار من يتخصص في الهجوم على رئيس ممثلا لإتجاه سياسي، فمن الممكن أن يكون إنعكاسا شخصيا له أسباب نفسية قد نجد تفسيرها في علم النفس وليس في علم السياسة، فقد يكون مفهوما أن ينتقد مفكر سياسات حقبة معينة بمنهج علمي رصين يجبرنا على احترامه مهما اختلفنا مع مقدماته ونتائجه، أما أن يصبح الهجوم الشخصي قاعدة من قواعد الفكر السياسي المصري فذلك أمر لا محل له في الفكر السياسي مهما كانت بلاغته اللفظية. يقول المقال: لقد أثبت الاستاذ المذكور أن الهجوم على التجربة الناصرية لا يقترن تلقائيا بإتخاذ مواقف تراجعية أمام الممارسات الإسرائيلية، وأحسب أن المقال أراد أن يشجع إتجاه التشدد تجاه تلك الممارسات، ولكن لا أدري ما اقتران ذلك بالهجوم على التجربة الناصرية ؟ وهنا لابد أن نلاحظ أن الموجة المعارضة للممارسات الإسرائيلية هي النغمة السائدة الآن ولا أظن خلافا عليها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وقد كان ذلك في زمن عبد الناصر والسادات وحتى الآن وربما إلى مستقبل لا نراه. صحيح أن المقال يقف بعد ذلك مستدركا كي يسجل مجموعة من الملاحظات أجد أنني أتفق مع أغلبها، وهي في مجملها تدين موقف الهجوم على أشخاص أو تجربة لمجرد الهجوم وبإفتقاد الموضوعية، وذلك كله كلام طيب لا غبار عليه، إلا أنه يتناقض جذريا مع تلك القواعد الثلاث التي افترض المقال أنها تحدد إتجاهات الفكر السياسي المصري. فعلى سبيل المثال ليس كل من انتقد أو هاجم عبد الناصر قد قام بتشويه الإنجازات التي تحققت خلال تلك الحقبة، بل أن الفصيل الناصري نفسه قام بعملية نقد للذات ومراجعة كانت أشد قوة وخصوبة مما قام به خصوم تلك الحقبة، ونفس الأمر ينطبق على حقبة السادات، ويوجد في الأدبيات السياسية المصرية من انتقد كلتا الفترتين بشكل موضوعي متوازن دون تجن أو إدعاء الشجاعة والحكمة بأثر رجعي! يشير المقال المذكور إلى أن الكاتب إياه ضرب مثلا يحتذى به في التفرقة بين الموقف السياسي والمبدأ الوطني، دون أن يحدد لنا هذه المصطلحات، فما هو المبدأ الوطني؟، هل هو (إنتقاد بعض ممارسات الدولة العبرية) كما جاء في المقال، أظن أن المبدأ لابد أن يعبر عن قواسم ثابتة مشتركة في تاريخ الأمم، أما السياسات فهي متغيرة بتغير الظروف، فإذا كانت (بعض ممارسات الدولة العبرية) مجرد طارئ سياسي، بل أن الدولة العبرية بحالها تعتبر من الزاوية التاريخية والسياسية مجرد طارئ سياسي في منطقتنا، فهل يمكن للمؤقت والطارئ أن يمثل مبدءا؟ ناهيك عن أن الحديث يدور عن مجرد(إنتقاد) وفقط لبعض الممارسات، فإذا كان ذلك مبدأ، فبم نسمى رفض كل ممارسات هذه الدولة، أو رفضها كلية ككيان عنصري مزروع في المنطقة؟ أشك في أن هناك خلطا في المصطلحات، فما أطلق عليه مبدأ (لا يزيد على كونه) موقفا ولايمكن وصفه بأنه موقف سياسي إلا إذا كان متناغما ومتساندا مع مفردات ومحددات أخرى ينبني عليها، وزيادة في الإيضاح أقول أن تصريحا منعزلا لكاتب أو مفكر أو سياسي حول موضوع معين لايمكن اعتباره موقفا سياسيا إلا إذا كانت باقي التصريحات والآراء تعكس بالفعل بناء متماسكا. ثم ليسمح لي الكاتب المشهور أن أتساءل عما جاء في مقاله بشأن عواطفه الشخصية التي لاتزال مع عبد الناصر، وقناعاته الفكرية التي تتحمس للسادات، فهل يعني ذلك أنه فكريا لا يجد أية سياسات ناصرية تستحق أن يتحمس لها؟، وأنه عاطفيا ليس مع السادات، هنا أيضا يوقعنا المقال في خلط وحيرة، فأولا: ما هي علاقة العاطفة بالسياسة؟، ألا يعتبر الحديث عن العواطف خروجا عن الموضوعية في إطار الحكم على التجارب السياسية، ثم ثانيا : هل تبرر العاطفة تشويه تاريخ أمة لمجرد عدم (استلطاف) شخصية زعيم ما، أو الدفاع عن سياسات خاطئة لمجرد تحرك العواطف تجاه زعيم آخر؟ في النهاية لا أجد نفسي متفقا مع الرأي الذي تبناه المقال ومفاده: أن المصريين لا يعشقون العمل السياسي، ولا ينجحون في النشاط الحزبي بسبب مركزية إنتمائهم الوطني، فهذا الرأي بوجه عام يتعارض مع النظرية السياسية، ومن ناحية أخرى لا يؤيده التاريخ السياسي المصري، فالإنتماء للوطن لا يلغي تعدد المصالح وتناقضها، ولا يحول دون تباين الإتجاهات الفكرية، وتلك هي طبيعة الشعوب الحية التي تتفاعل مع القضايا، ومن الظلم إتهام الشعب المصري بالجمود، أو بالإنسياق اللاواعي وفشل النشاط الحزبي يرجع في التحليل الأخيرة لأسباب موضوعية سياسية وتاريخية واقتصادية وثقافية ليس هذا محل عرضها، والمثال الذي طرحه المقال بشكل تهكمي حول إنقسام الشعب المصري في تشجيع الأندية الرياضية يؤكد ما اقوله، فلو صح أن ذلك الشعب لديه إحساس واحد تجاه القضايا المطروحة والمسائل المثارة لكان كله أهلويا أو زملكاويا مثلا، أن ذلك الإنقسام الرياضي يؤكد ولا ينفي (عشق) المصريين للعمل السياسي. وبالمناسبة كيف نشجع شبابنا على الإقبال على العمل العام، إذا كانت لدى بعض الأجيال السابقة هواية إهالة التراب على كل الإنجازات والرموز، وتصفية حسابات شخصية ضيقة، وإدعاء الشجاعة والحكمة بأثر رجعي؟ كيف نعطي المثل والقدوة ونحن نرى شخوصا تمتدح العصر حتى ينتهى فينقلبون عليه بأشد من عداوة الأعداء؟! ـ كاتب مصري