خلال اقل من اربع وعشرين ساعة اشهرت واشنطن اولا سلاح الفيتو في مجلس الامن الدولي استعدادا لاحباط مشروع قرار لصالح الفلسطينيين، وأعلنت ثانيا على العالم ان المقاومة الوطنية الفلسطينية ضرب من الارهاب وان قادة المقاومة وكوادرها بالتالي ارهابيون اشرار. وعلى طول الخط ظلت واشنطن تتبع القول بالفعل جهرا، فما الذي تنتظره القيادة السياسية الفلسطينية لتتوصل الى قناعة حاسمة ونهائية لتصنيف الولايات المتحدة كعدو استراتيجي ثابت للشعب الفلسطيني وبالتالي تتعامل معها او ازاءها على اساس هذه القناعة؟ لقد تقدم المندوب الفلسطيني الى الامم المتحدة بمشروع قرار الى مجلس الامن الدولي ينص على ارسال قوة من مراقبين دوليين الى الاراضي الفلسطينية المحتلة لغرض حماية الشعب الفلسطيني من وحشية آلة الحرب الاسرائيلية. وبينما كان اعضاء المجلس منهمكين في مشاورات جانبية غير رسمية حول الاقتراح الفلسطيني ابلغت حكومة الولايات المتحدة على خط مواز جميع حكومات الدول الاعضاء في المجلس واحدة واحدة وبصورة رسمية صريحة انها سوف تستخدم الفيتو لاحباط مشروع القرار اذا دعت الضرورة. وكانت النتيجة ان بعض الدول الاعضاء التي ايدت المشروع مبدئيا تراجعت استجابة للضغط الامريكي مما اضطر المندوب الفلسطيني الى سحب مشروعه. ومع تردد اصداء هذا العدوان الامريكي على الصعيد الدبلوماسي وقبل ان يخفت رنينها نهض الرئيس الامريكي جورج بوش في مؤتمر صحفي، حيث خاطب العالم معلنا في سياق حديثه ان المقاومة الفلسطينية تعتبر «تهديدا ارهابيا» لاسرائيل.. ومن هنا توجه الخطاب الى الرئيس الفلسطيني «ناصحا» اياه بأنه اذا كان يرغب في اجراء مفاوضات مع اسرائيل فإن المطلوب اولا هو «ان يوقف الارهابيون الفلسطينيون عملياتهم الاستشهادية والهجمات والتهديدات». واشنطن اذن لم تترك زيادة لمستزيد ولا اي فرصة للتشكيك في ان موقف واشنطن واضح كالشمس.. وموقف اسرائيل الشارونية اوضح.. وموقف قادة المقاومة الوطنية الفلسطينية بجميع فصائلها ومن ورائهم الشعب الفلسطيني واضح تماما على الناحية الاخرى. الذي ليس واضحا هو موقف القيادة السياسية الفلسطينية. في رد فعلهم على نعت الرئيس بوش المقاومة الفلسطينية ضد اسرائيل بالارهاب وقادتها وكوادرها بالارهابيين، ادلى قادة السلطة الفلسطينية بأقوال لا يمكن ان تفسر الا بأن الولايات المتحدة عدو جهري للشعب الفلسطيني. من العاصمة الماليزية كوالالمبور ندد الرئيس عرفات باستخدام اسرائيل اسلحة امريكية ضد المدنيين الفلسطينيين كالطائرات والدبابات، قائلا ان الاسلحة «التي تزود بها الولايات المتحدة اسرائيل تستخدم ضد النساء والاطفال والمنازل والقرى والمدن». وقال وزير الاعلام الفلسطيني ياسر عبدربه ان الرئيس بوش مسئول عن «مواصلة اعمال العنف» وكان وزير التخطيط والتعاون الدولي د. نبيل شعث اكثر صراحة حيث قال ان تصريحات بوش تعطي الضوء الاخضر لاسرائيل لتستمر في قتل الفلسطينيين. الولايات المتحدة اذن تشارك مع اسرائيل في حرب الابادة ضد الشعب الفلسطيني. هذا ما يقوله قادة السلطة الفلسطينية بمن فيهم الرئيس. وهذا واقع مشاهد يراه الفلسطينيون والعرب والعالم يوميا. لكن قول القادة السياسيين الفلسطينيين لا يتطابق مع مسلكهم الفعلي. لقد ظل هؤلاء القادة السياسيون لمدى اكثر من عشر سنوات، منذ مؤتمر مدريد عام 1991 وحتى اليوم، ينتهجون نهجا تصالحيا تجاه الولايات المتحدة ويتخذونها كقبلة باعتبارها «راعية للسلام» ووسيطا حياديا بين الشعب الفلسطيني واسرائيل. ان الولايات المتحدة عدو راسخ للشعب الفلسطيني بقدر ما هي حليف اجرامي ثابت للاسرائيليين. وبعيدا عن اخفاء هذا العداء او تغليفه فإن واشنطن على العكس تؤكد عليه يوميا من حيث القول والفعل معا. والمطلوب اذن من القيادة السياسية الفلسطينية ان تعلنها صريحة اليوم قبل الغد، ان امريكا عدو.. ويجب التعامل معها على اساس هذه الحقيقة الناصعة.