هناك أسباب عديدة تحول دون نجاح صحافتنا وأجهزة إعلامنا وثقافتنا، في أداء الدور المنوط به، والمتمثل بالارتقاء بأوضاعنا، نحو الأحسن، وتخفيف حدة المشكلات العويصة التي نعاني منها في الوقت الذي نواجه فيه عصر العولمة والديمقراطية والانترنت والتحديات البيئية. ومعظم هذه الأسباب عصية على الحل للأسف، بسبب الظروف والتخلف العربي، وسنقصر اهتمامنا في هذا المقال على سبب واحد يتعلق بالصحفي العربي الذي يواجه تحديات وضغوطاً لا يستطيع احتمالها، مما يؤدي إلى إعاقة دوره الحضاري في إضاءة الدروب المظلمة، وتنوير الرأي العام، والمساعدة على حل المشكلات القومية المستعصية، وذلك خلافاً لحال الصحفي في الدول المتقدمة، الذي تنفسح أمامه آفاق واسعة يستطيع التحرك ضمن دوائرها الفسيحة دون قيود تغل قلمه أو تلجم مساعيه، مما يمكّنه من أداء دوره كاملاً في خدمة بلده. وبتعبير آخر، فإن الكاتب أو الصحفي العربي مقيد اليوم بجملة من الالتزامات المرهقة التي ينوء تحت أوزارها، فهناك التزاماته تجاه الوطن وتجاه نفسه.. وهناك موافقة من القراء ومن السلطة ومن الرقابة ومن المؤسسات الإعلامية، وغير ذلك، وهذه الالتزامات كثيراً ما تتعارض وتتداخل بطريقة تؤدي إلى الارتباك وربما الضياع. وإزاء هذا الوضع المعقد نتساءل عن مدى قدرة هذا الصحفي على شق طريقه الوعرة الشائكة، ومدى نجاحه في التوفيق بين التزاماته المتعارضة، انه أمام التناقضات والتعقيدات المحيطة به، والتي تأخذ أحياناً بخناقه، يجد نفسه في وضع حساس ومحرج، فهو إنسان له متطلباته المادية والمعيشية، كما ان له احتياجاته الروحية والنفسية، ولكن تحقيق مصلحته الذاتية في سد هذه المستلزمات كثيراً ما يصطدم مع مثله وقيمه ومبادئه التي تجعل منه كاتباً أصيلاً. إذن هل يعمل بوحي مصلحته الخاصة وحدها، فيفقد في هذه الحالة مبررات وجوده وقيمته ككاتب ويخسر احترام القراء له، أم يسلك سلوكاً وجدانياً نظيفاً فيتعرض للتضور جوعاً ولكتم الأنفاس وربما للالقاء في غياهب السجون؟ هل يلبي صوت ضميره أم يخضع لنداء مصلحته؟ أم هل يوفق بين المسلكين، فيرضي وجدانه ومصلحته في آن واحد؟ وهل يستطيع؟ ان اختيار هذا الطريق أو ذاك يتوقف على الكاتب نفسه وأخلاقياته ونزاهته، وكذلك براعته في التوفيق بين التزاماته المتعارضة، فكلما سمت أخلاقه ونظفت يده، كان أقرب إلى ترجيح كفة مبادئه على مصلحته، وعندما تكون طموحاته المادية هي الغالبة، فإنه يضع منفعته في المقام الأول، ومنحها الأولوية على كافة الاعتبارات الأخرى. وعلى العموم فإن المواقف التي يجد الكاتب نفسه فيها متردداً وحائراً بين احتياجاته ومبادئه كثيرة، فمثلاً بالنسبة لمواقفه من السلطة، إذا أراد الكاتب ان ينال المكاسب، فربما يتوجب عليه ان يسايرها، بل ان يمدحها ويمجد أخطاءها، وفي هذه الحالة يُتهم بالنفاق والانتهازية وخيانة قضية الكتابة، في حالة كون السلطة غاشمة وظالمة، ولا تستحق الاطراء. أما إذا استهدف الكاتب ارضاء ضميره واحترام قلمه، فإن من واجبه قول كلمة الحق وكشف انحرافات السلطة وإماطة اللثام عن ممارساتها الضارة بمصلحة الشعب، إن وجدت. وفي هذه الحالة يتعرض لانتقام السلطة ومضايقاتها. وإزاء هذا الوضع المحير نجد ان معظم الكتاب وجدوا الحل في الصمت، فلا نفاق للسلطة أو تمسحاً بأعتابها، وذلك استجابة لنداء الضمير، وحفاظاً على ماء الوجه، ولا تهجماً عليها، وكشفاً لمساوئها، صوناً للسلامة وتجنباً للانتقام. ومن الأمثلة الأخرى على حيرة الكاتب ما يتعلق بمنهجه في العمل الكتابي، فإن توخى الكاتب الأمانة العلمية واحترام الحقيقة، وحدهما، وهذا ما يجب ان يفعله حقاً، فإن عليه ان يكتب البحث الجدي العميق الذي يتحرى فيه أدق التفصيلات وأصح الأرقام وأوثق المعلومات.. وعليه بعد ذلك ان يسعى إلى نشر ما كتبه في أي مكان، من أجل صالح الثقافة والقراء، يصرف النظر عن المردود المادي، ولكن الكاتب إذا سار على النهج، فربما لا يغدو قادراً على الحصول على ما يكفي لسد رمقه وإقامة أوده.. وهل يستطيع الكاتب ان يحلق عالياً في آفاق الابداع الكتابي، وهو يتضور جوعاً؟! أما إذا لبى الكاتب نداء مصلحته الشخصية المادية وحدها، فإنه سيميل إلى كتابة المادة القصيرة المنمقة التي لا تستلزم كبير جهد وعميق بحث، وسيختار لنشرها الجهة الصحفية التي تدفع له مكافأة مادية أكبر، بصرف النظر عن اتجاهاتها القومية والانسانية. وفي هذه الحالة قد يحقق الكاتب بعض المكاسب المادية، ولكنه يفقد سمعته الأدبية بالتدريج ويُتهم بالسطحية وخيانة الحقيقة العلمية. ويواجه كثير من الكتّاب هذا التعارض بتبني فكرة الحل الوسط بين الهدف المادي والهدف الثقافي، وهذا يعني اللجوء إلى البحث الجاد العميق الذي يخدم قضية الفكر والثقافة حينا، وإلى الموضوعات القصيرة البسيطة التي تدر ربحاً مادياً، حيناً آخر. ومن المشكلات التي توقع الكاتب في بحر الحيرة والارتباك مشكلة الرقيب.. ليس الرقيب السياسي فحسب، وإنما الرقيب الديني والاجتماعي أيضاً، فالكاتب لا يستطيع ان يخوض بصراحة وحرية في غمار حقول السياسة والدين والجنس، لأنه لو فعل ذلك تعرض لغضب السلطة أو الطبقات الاجتماعية المتعصبة، وما يتبع ذلك من مضايقات ومشاحنات. وإذا أعرض عن طرق هذه المحظورات أو الممنوعات الثلاثة، سُدّت في وجهه أبواب كثيرة من الموضوعات التي يود الكتابة فيها، وأصبح مضطراً إلى الاقتصار على الكتابة في حقول ضيقة، بدلاً من أن يكون حراً في اختيار موضوع المادة الكتابية التي تروق له. وقد تكون للكاتب آراء وأفكار تخالف الأفكار أو التقاليد السائدة في المجتمع، فإن أخفى هذه الآراء أو كتب نقيضها حتى يتجنب النقد، أوقع نفسه في التناقض وأصبح مغلول العقل وعاجزاً عن التعبير في تفكيره، أما إذا جاهر بآرائه وقال للقارئ بجرأة ما يجب ان يقوله، وما يعتقد انه مفيد له، تعرض للمضايقات، وربما فقدت أعماله بعض رواجها وانتشارها. وتظهر حيرة الكاتب أيضاً، على صعيد تعامله مع المؤسسات الصحفية، إذ كيف يستطيع هذا ان يحافظ على أمانة تعامله معها، فيزودها بالمادة الدسمة الجيدة التي وصل آناء الليل بأطراف النهار في تدبيجها، في الوقت الذي لا تقدم له بعض هذه المؤسسات ما يستحق من حقوق مادية وتقدير معنوي يتناسب مع مجهوده الفكري الكتابي؟ هل عليه ان يضحي ويعرض حقوقه ككاتب للهدر، في سبيل الفكر والثقافة.. أم ان يعامل هذه المؤسسات على أساس المصلحة المتبادلة وحدها، فلا يقدّم لها إلا بقدر ما تعطيه، وفي هذه الحالة يتهم بوضع الاعتبار المصلحي فوق الاعتبار الثقافي؟ وهكذا نجد الكاتب العربي المعاصر حائراً، وربماً ضائعاً أمام متناقضات العصر وتعقيداته التي لا قبل له أحياناً بالتغلب عليها، فهناك أوضاع كثيرة يضرب أزاءها أخماساً بأسداس، ولا يدري ماذا يفعل وكيف يتصرف. والجهة التي تستطيع فعلاً ان تخفف المتاعب عن كاهل الكاتب، وتمد له يد العون ليغدو أكثر قدرة على خدمة المجتمع، هي الدولة، فإذا وفرت هذه للكاتب حرية التعبير، تخلص من أعباء الكبت والاحباط، وازدادت قدرته على الابداع الأصيل، وعلى نقل أفكاره عبر المطبوعات المختلفة دون خوف أو تردد. وفي هذه المرحلة الصعبة من حياة الأمة العربية، قد لا نأمل بمنح الحرية الكاملة للكاتب، وإنما بتخفيف قيود الرقابة على النشر، عن طريق التسامح إزاء الكلمة الحرة البناءة التي تستهدف الخير والاصلاح بعيداً عن التحريض أو إثارة المشاعر، والمجال الذي نستطيع فيه ان نأمل بتعاطف أكبر هو دعم الكاتب مادياً ومعنوياً ومساعدته، عبر المؤسسات الثقافية الرسمية، ولا سيما اتحادات الكتّاب والصحفيين، على نشر إنتاجه لقاء أجر مادي يتناسب مع قدسية العمل الفكري الكتابي. وعندما يشعر الكاتب أنه أصبح في مأمن من الفقر والعوز، تتفتح طاقاته الانتاجية، وتزدهر موهبته الكتابية، ويغدو في وضع أفضل، من أجل خدمة المجتمع والثقافة والقراء. ـ كاتب سوري