بدأت الانتفاضة صراعا طويلا لا نهاية قريبة له، هذا ما تؤكده التصورات الاستراتيجية الاسرائيلية التي تتوقع مواجهات تستمر لعدة سنوات بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ولو نظرنا للصراع الراهن بابعاده التاريخية لوجدنا ان هذا الوضع ممكن حصوله، وان كان ثمنه كبيرا في الارواح والممتلكات العربية في فلسطين. الصراع الطويل يعني غياب الحل السياسي العادل، وهو يساوي حرب استنزاف تعيشها المنطقة حول مستقبل القضية الفلسطينية، الصراع الطويل سوف يمر بمحطات منها محطات تهدئة مؤقتة سرعان ما تزول عندما تتجمع ثانية عناصر الانفجار، وسيعني هذا الصراع ان العالم العربي سوف يشاهد يوميا ولمدة طويلة كيف تقمع اسرائيل الانتفاضة وكيف يواجه الفلسطينيون حالة الحرب الدائمة بوسائلهم الخاصة، في هذا دخلت القضية الفلسطينية في المرحلة الجزائرية نسبة لحرب التحرير في الخمسينيات. ان طول مدة الصراع هو امر مرتبط بعوامل عديدة، منها ان رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون لا يملك حلا للوضع الراهن خارج اطار المواجهات والتهديد كما ان الرئيس الفلسطيني عرفات هو الآخر لايملك حلا خارج اطار تبني تعبيرات المجتمع الفلسطيني السياسية، بل مع هبوط شعبية شارون من اكثر من 80% الى 49% نجد انه يدخل ذات المأزق الذي كان قد سلكه باراك من قبله. ان طول الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وتشعب ابعاده واختلاف تعبيراته ليس امرا جديدا، ففي ثورة الفلسطينيين عام 1936 استمرت الثورة لمدة تجاوزت الثلاث سنوات ولم تتوقف تلك الثورة التي عرفت بثورة القسام الا بعد بطش بريطاني مكثف مع بدء الحرب العالمية الثانية، ولو نظرنا لطول الصراع في اطار اخر لوجدنا ان حرب الاستنزاف المصرية الاسرائيلية استمرت لعدة سنوات بعد حرب 1967، كما ان الحرب بين اسرائيل والفلسطينيين عبر نهر الاردن استمرت منذ عام 1968 حتى عام 1970 بينما الحرب في جنوب لبنان استمرت منذ عام 1968 حتى خروج منظمة التحرير من لبنان عام 1982، ثم استمرت الحرب من خلال المقاومة اللبنانية للاحتلال الاسرائيلي حتى خروج اسرائيل وانسحابها من جنوب لبنان في العام 2000 وبنفس الوقت نجد ان الانتفاضة الاولى عام 1987 هي الاخرى استمرت حتى اوائل التسعينيات وبداية عملية السلام. لهذا يمكن النظر للمواجهات الراهنة كأنها حلقة من شيء اكبر وكأنها جزء من سلسلة طويلة من الحلقات التي تسعى لتحقيق الطموحات الوطنية الفلسطينية. لقد دخل المجتمع الفلسطيني في مواجهة تكاد تكون شاملة وذلك بعد ان اصبح موقفه هو الاختيار بين ما يطرح عليه من خضوع وما يمكنه ان يفعله لتخليص الارض، فقبل الانتفاضة بشهور تبين ان الحديث عن انسحاب اسرائيلي من الاراضي الفلسطينية المحتلة بواسطة السلم، هو حديث يصعب تطبيقه نظرا لطبيعة الاستيطان الاسرائيلي ولطبيعة السياسة في اسرائيل، بل ان المستعمرات القائمة على اراضى فلسطينية مصادرة من قبل الحكومة الاسرائيلية اصبحت امرا يصعب على اي حكومة اسرائيلية تغييره وبنفس الوقت لم يكن واضحا كيف ستنسحب اسرائيل من القدس العربية، وكيف ستتعامل مع حق العودة الا في اطار الرفض. الفلسطينيون باتفاق سلام او بلا اتفاق سلام كانوا يشاهدون كيف بنت اسرائيل المستعمرات وسط ممتلكاتهم وكيف جففت حقولهم وصادرت اراضيهم كانوا يرون ان مصيرهم في نهاية الطريق لن يختلف عن مصير الفلسطينيين الذين لجأوا بسبب حروب سابقة ومجازر موسعة الى لبنان وسوريا ومصر والاردن ودول اخرى. لقد تفجر الوضع لمنع استمرار خسارة الارض والحقوق، ولهذا بالتحديد سوف يطول الصراع قبل ان تتجمع عوامل تسمح باحقاق الحقوق وبتحقيق انسحاب اسرائيلي شامل. استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت