في المعركة الدائرة على أرض فلسطين، ثمة بعض الملفات لا يقترب منها أحد، أهم هذه الملفات يتناول الإجابة عن تساؤل مفاده: من هو القابض حقيقة على السلطة الشعبية في الشارع الفلسطيني؟ هل هي السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات والمجموعة التي تدور حوله وتحكم الأجهز الرسمية؟ أم أن القيادة الحقيقية هي لأناس آخرين يسيطرون تماماً على الشارع الفلسطيني وقواه الحية، ويعبرون عن آماله وتطلعاته التي تجعل بعض الشباب على استعداد أن يحزم نفسه بالمتفجرات، ويدخل إلى مقهى أو موقف حافلات إسرائيلي، ويمد يده لمفجر وفي لحظة واحدة يذهب إلى خالقه ومعه عشرات الإسرائيليين؟ «ذاك سؤال تجدر الإجابة عنه في ضوء الغبار الذي يثار باتجاه حركة السلطة الفلسطينية التي تتوخى الحلول السياسية من منابر عدة، وهي أول من يعرف أنها غير قادرة على المساعدة السياسية!! قصور السلطة الفلسطينية الرسمية واضح لا يحتاج إلى دليل، خاصة عندما تراجعت عن الإقدام على خطوات سياسية، حين كانت الفرصة متاحة تاريخياً، بوجود رئيس جمهوري أمريكي يودع منصبه، هو بيل كلينتون، الذي كان يتمنى فرصة للدخول في التاريخ العالمي عن طريق إيجاد تسوية تاريخية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولا أريد أن أتسرع وأقول إن «كل» هذه الفرصة ضيعتها السلطة الفلسطينية التي كانت تفاوض وقتها، ولكن أريد أن أؤكد، من وجهة نظر تحليلية، أن القيادة لم تكن قادرة على اتخاذ قرار على هذا المستوى التاريخي وذاك النوع من المسئولية، لأنها في الأساس لم تكن واثقة من دعم الشارع الفلسطيني، فبدلاً من أن تقوده، كما فعلت في اتفاقية أوسلو مثلاً، على علاتها، خضعت لقيادته، وأجّلت وسوّفت، على طريقة المناورات التي حذقتها في أجوائها العربية. وهنا لا يمكن لأية قيادة سياسية أن تأكل التفاحة، وتحتفظ بها في الوقت نفسه، فبعد العودة من كامب ديفيد في خريف العام الماضي، تسارعت الأحداث التي قادت ـ في النهاية ـ إلى مفاوضات شرم الشيخ، ثم مفاوضات طابا التي قيل إنها أنهت 99% من المشكلة. تلك المفاوضات التي تجعل المراقب يعتقد أن الأمر لم يكن بهذا البعد أو ذاك الخلاف على مجمل المباديء، الاختلاف ـ فقط ـ كان في التكتيكات غير الملائمة التي تبنتها قيادات السلطة الفلسطينية. وكما تعودنا، فإن التوقيت في المرة الثانية كان خاطئاً، والتحليل الذي بني عليه كان خاطئاً أيضاً، وهو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، كان مستميتاً للوصول إلى اتفاق لإنقاذ مستقبله السياسي!! وتسارعت الأحداث التي قادت في النهاية لوصول أرييل شارون المتشدد إلى الحكم في إسرائيل، كذلك تآكل الصف الإسرائيلي الداعي إلى السلام منذ أن بدا العنف يضغط على الإسرائيليين. وهو الصف الذي وصل إلى قمة صعوده بعد عقد اتفاقات أوسلو، ومقتل إسحاق رابين. ومنذ ذلك الحين، أي منذ فشل مفاوضات طابا، أخذ يتوارى إلى الصفوف الخلفية، ويقل مؤيدوه في داخل وخارج إسرائيل وتتضاءل فاعليته في الرأي العام الإسرائيلي، إلى جانب أن الصحف الإسرائيلية الصادرة في الغرب ترى أن السلطة الفلسطينية القائمة لم تعد تستطيع التحكم في مزاج الشعب الفلسطيني، الذي تحوّل إلى عدد كبير من المضحين بأرواحهم فرادى وجماعات نتيجة للعنف الإسرائيلي المتزايد، كما تحوّل معظم هؤلاء الفلسطينيين إلى تأييد فكرة أن العنف الإسرائيلي لا يعرف لغة غير العنف، لذا أصبحت السلطة الفلسطينية هي سلطة الأمس لا الغد!! هذا في الحقيقة هو مأزق السلطة الفلسطينية، مهما حاولت في بعض أطرافها أن تصعّد من لغة المقاومة، لذا فمن الواضح أن أي اتفاق باتجاه التهدئة لا تستطيع هي الوفاء به، وتقرير أو خطة ميتشيل، التي تتطلب هدنة مؤقتة خالية من العنف لاستئناف الحديث السياسي، حتى هذه، لا تستطيع السلطة الفلسطينية أن تحققها بغير أن تقوم باعتراض أو حتى اعتقال وتعذيب الناشطين في المنظمات الأخرى، ومنها حماس والجهاد. وبذلك أصبح للفلسطينيين شهداء تقتلهم الآلة العسكرية الإسرائيلية، وآخرون متعاملون مع العدو، وآخرون يهددون العدو بالعنف!! ومن ثم نجد أن السلطة الفلسطينية لم تعد تملك الشارع في فلسطين المحتلة، من يملكه هم نشطاء حماس والجهاد، تلك حقيقة لا لبس فيها. فأي سلطة تُرى التي تطالب بالمقاومة وتعتقل المقاومين في الوقت نفسه، بل وتعذب بعضهم إلى الموت؟! إن المتتبع في هذه الدنيا الواسعة من البديهي أن يدرك أن فشل هذا الفريق في العمل السياسي الذي يتصدى له، من الأفضل له أن يترك الساحة لبديل آخر يتعامل مع الأوضاع المستجدة بما يحقق رغبة وأماني شعبه، وفي الحالة القائمة فإن هذا البديل هو: حماس وحلفاؤها. إن الشيخ أحمد ياسين يتعامل مع إسرائيل كل يوم، عن طريق الرجال المفخخين، وهي لغة تقابل لغة شارون في الركون إلى استخدام السلاح، وهو الأسلوب الذي يجيده ومتوفر له.. شارون بالمدافع والطائرات.. وحماس والجهاد بالرجال المفخخين، وربما قريباً بالنساء أيضاً فالمواطنة في يقينهم لا تتجزأ. يتخوّف البعض، عربياً ودولياً، من غياب عرفات عن الساحة الفلسطينية، لكونه ممثل الاتجاه المعتدل، الذي يمكن الوصول معه إلى حلول مرضية. هذا القول ليس بالضرورة نهائياً وقطعياً، فالقوى الموجودة على الساحة الفلسطينية، ليست قوى عبثية مطلقة، ولا قوى فاقدة العقل، وعندما يقدم لها بديل معقول سياسياً واقتصادياً، فلا شك أنها ستنظر فيه وربما ستقبله نيابة عن الشعب الفلسطيني، وهي ـ على الأقل ـ لن تتراجع وتُسوّف وتُماطل، خوفاً من شارع لا تقوى على قيادته، كما تفعل السلطة الحالية الآن. لأن هذه القوى تقود الشارع الفلسطيني وغير معنية لا بالمناورة ولا بالفساد المالي والإداري الذي اعترى السلطة تاريخياً، فهي تقود الشارع بمعنى أنها تعبّر عن أمانيه، وتُفصح عن قدراته الفعلية، وتستطيع أن توجهه ـ إن أرادت، أو إن اقتنعت ـ بالمعروض من الحلول. كما أن المنطق يقودنا إلى القول إنه لا يجوز أن يقدم فصيل سياسي كل هذه التضحيات في معركة وطنية كبرى، دون أن يشارك في الرأي، أو يطلع على المعروض من الحلول، ذلك أن السلطة الفلسطينية ما زالت تتصرف وكأنها فقط المعنية بالمستقبل الفلسطيني لا يشاركها أحد في ذلك!! والناس، أغلب الناس، في فلسطين، كما يبدو للمراقب المحلل، مع حركة حماس، ومع ما تقوم به من نضال، وضد أية تنازلات أو مناورات تقوم بها السلطة، فحماس تعرف ما تريد، بينما السلطة الفلسطينية لا تعرف على وجه الدقة ما تريد في المرحلة الحالية، فهي بين اجتماعات ودعوات للشجب، وبين اعتقالات للناشطين الفلسطينيين!! ولذا فليس من المستبعد أن تكون المرحلة المقبلة في فلسطين المحتلة هي مرحلة التضحية والجهاد. وعلى الرغم من غرابة هذا التوجه الآن وربما بعده الظاهري عن المنطق، إلا أن الاحتمال قائم في تغييب عرفات أو غيابه، وتسلم قيادة فلسطينية جديدة تقدم للشعب الفلسطيني الأمان والدولة معاً. ترى: هل يطول هذا الوقت أم يقصر؟ هذا ما ستسفر عنه تطورات الأحداث وتلاحقها فيما بعد! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت