سألت نجيب محفوظ يوما (لقد عاصرت جنازتين اسطوريتين لزعيمين مصريين أنزلهما الشعب المصري منزلة عالية، أيهما كانت أكثر مهابة؟ جنازة سعد باشا أم عبدالناصر).. قال على الفور ملوحا بيده للتأكيد. جنازة سعد باشا طبعا.. كانت مهولة.. أبديت دهشتي.. إذ قدر لي أن أرى تشييع عبدالناصر، وكما يقولون رأيت مالا أذن سمعت ولا عين رأت، منذ اعلان رحيله بعد ظهر الاثنين، الثامن والعشرين من سبتمبر وحتى صباح الخميس الأول من أكتوبر، حيث تم تشييع الجنازة الاسطورية بدءا من مجلس قيادة الثورة في الجزيرة وحتى المدفن في مسجد كوبري القبة. يمكن القول انني أمضيت تلك الأيام في الشارع مع نفر من صحبي الحميمين. كان البشر يتدفقون من شتى انحاء مصر، داخل القطارات وفوقها، أو يتعلقون بها، بكل وسائل المواصلات الممكنة، قضوا لياليهم في الشوارع والأزقة والحارات، تماما كما يحدث في الموالد الكبرى لأولياء الله الصالحين، عندما يصبح المكان للجميع، ويصير الإنسان الى لا موضع. لا حيز، يصبح البشر أمكنة لبعضهم البعض. يصير اللواذ بالمعنى هو الأصل والهدف، لن أنسى لحظة مرور النعش في شارع رمسيس، من امام المبنى الذي أوينا الى مسكن صاحب عزيز، المرحوم فؤاد الدهان، أحد كبار المثقفين والمحامي الشهير وقتئذ، يقع امام نقابة المحامين، كان المشهد رهيبا، والفريق أول محمد فوزي ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ يركب عربة تتقدم الخيول السوداء، التي تجر عربة المدفع، لا أظن أن مشهدا يبرز في ذهني، الا مشهد العلم المصري المرفوع على الضفة الشرقية للقناة صباح الأحد السابع من أكتوبر، عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين من القرن الماضي. من يريد أن يعرف تعلق الشعب المصري بحكامه، فليشهد كيفية توديعه لهم عند الرحيل الأبدي، وما شهدته وعشته عند توديع جمال عبدالناصر الى مثواه الاخير لم أتوقع أن يفوقه توديع آخر. كيف اذن تقول ياعم نجيب ان جنازة سعد زغلول كانت أضخم وأكثر مهابة وكان الناس أشد حزنا مع أن تعداد سكان مصر كان أقل، هذا من حيث الكم. قال عمنا نجيب محفوظ: (لا تنس أن سعد زغلول كان زعيما شعبيا، اختاره الناس وثاروا لنفيه وكان رمزا لمقاومة الاحتلال، أما عبدالناصر فكان زعيما عظيما ولكنه كان أيضا حاكما، والحاكم له أنصار وله اعداء، بحكم الاجراءات التي اتخذها وألحقت ضررا بالبعض، وسببت فائدة للكثيرين، أو العكس، دائما الحاكم مختلف عليه، أما الزعيم فمثل الظواهر الطبيعية.. كان سعد زعيما خالصا لثورة شعبية عظمى ضد الاحتلال الأجنبي).. اسأله عن المرة الأولى التي أستمع فيها الى اسم سعد باشا، قال لي (كان والدي يتحدث دائما في البيت عن سعد زغلول، ومحمد فريد، ومصطفى كامل، ويتابع أخبارهم باهتمام كبير، كان اذ يذكر اسم أحد من هؤلاء فكأنما يتحدث عن مقدسات حقيقية، كان يتحدث عن أمور البيت مع أمور الوطن في وحدة واحدة، كل حدث صغير في حياتنا اليومية كان يقترن بأمر عام، فهذا الأمر وقع لأن سعد قال كذا، أو لأن السراي تعرض ضد سعد بكذا، أو لأن الانجليز فعلوا كذا. كان والدي يتكلم عنهم بحماس وكأنه يتحدث عن خصوم شخصيين، كان والدي موظفا وعندما وصل الى السن الذي يستحق فيه المعاش استقال، كان موظفا طبقا لكادر قديم لا نعرف عنه شيئا الآن، بعد استقالته عمل مع أحد أصحابه التجار، هكذا كان اسم سعد باشا يتردد على مسمعي منذ أن وعيت على الدنيا بكل تبجيل واحترام، وعندما اندلعت ثورة 1919 على أثر نفي سعد وزملائه. رأيت أحداثها في نافذة بيتنا في ميدان بيت القاضي). كان البيت الذي ولد فيه وشب نجيب محفوظ يقع في ميدان القاضي، على ناصية درب قرمز، رقمه، ثمانية، ومكانه الآن مبنى تحته مقهى، في عام اربعة وعشرين انتقلت الأسرة الى العباسية، من خلال النافذة كان يرى نجيب محفوظ ابن السابعة في ذلك الوقت مظاهرات ابناء البلد اذ تحتشد في ميدان بيت القاضي وتبدأ تدفقها الى ميدان الحسين، الى الازهر، المركز الروحي للثورة، حيث كان يخطب من فوق منبره الشيوخ الى جانب القسس، ومن أشهرهم الانبا غريغوريوس، كان الشيوخ يعتلون في الكنائس، والقسس يعتلون منابر المساجد، وتلك الصيغة التي توحد فيها الهلال والصليب، تعد من أروع لحظات الوحدة الوطنية في تاريخ الشعب المصري، هذه الصيغة تحققت بفضل سعد ورفاقه، وعاشت بها مصر أكثر من نصف قرن، الى أن بدأ هذا الانجاز المبهر لثورة 1919 يهتز في العقود الأخيرة. قال لي محفوظ (ما هزني حقا، ومايعلق بذاكرتي واضحا حتى الآن مظاهرات النساء في الجمالية، لقد دخلت السياسة حياتي كما ذكرت منذ الطفولة، عندما كنت أرى المظاهرات في ميدان بيت القاضي، في البيت كان الوالد والوالدة متعاطفين مع الوفد، يبجلان سعد باشا، وعندما بدأت أتعلم القراءة، بدأت أطالع الصحف، كنت أجرى بعيني على السطور حتى أجد اسم الزعيم فأتوقف عنده فيخفق قلبي، لكن من زرع الوطنية في قلوبنا فهم المدرسون، خاصة المعلمين من أساتذة اللغة العربية، كانوا يتوقفون خلال الحصص عن الدروس ويبدأون أحاديثهم الوطنية، وكانوا يوبخون الطلبة الذين لا يشتركون في المظاهرات أو يتهربون منها. ما لا أنساه النساء، كانت الواحدة منهن تخرج بالملاءة اللف، رأيت احداهن تمسك يد هون، وأخرى غطاء حلة، أو عصا، هؤلاء بنات البلد، أما المحجبات من نساء الطبقة الوسطى فكن يمشين في طوابير منظمة وفي وقار، ويهتفن: سعد.. سعد.. يحيا سعد، أو عاشت مصر حرة مستقلة. كتب التاريخ تذكر مظاهرات بنات مدرسة السنية، وسيدات المجتمع، لكن لا أحد يذكر مظاهرات نساء الحواري والأزقة، لقد رأيتهن بعيني، كن شيئا لا مثيل له، يقولون الآن: المرأة المصرية، (امرأة مصرية مين) أنا شفت آلاف النساء في الجمالية فوق عربات الكارو.. نساء الحواري كن بطلات الثورة.. هنا أستعيد مقطعا من فصل عنوانه (الشيخ هجار المنياوي) في رواية المرايا. أما جانبه الجاد فكان فذا لا يتكرر، كان في المدرسة الابتدائية ـ عصر الثورة ـ مدرسا للغة العربية والوطنية، فلدى أي مناسبة يفتح باب الحديث الوطني، يستعيد الذكريات المجيدة، ويشيد بالأبطال، ونحن نتابعه والدموع في أعيننا، وكان يحدث عن سعد زغلول وكأنه من أولياء الله الصالحين أو صاحب معجزات معتبرا زعامته رسالة سماوية أو معجزة تاريخية، ومنه عرفنا مالم نكن نعرفه عن نشأة سعد، ومهارته في المحاماة، ومواقفه في نظارة المعارف ونظارة الحقانية وزعامته وتحديه لقوة الانجليز وسحره وبلاغته وماينتظر البلاد على يديه وكان يقول ـ ببلاغته عبأ الشعور، وباسمه قامت الثورة وكان يعرف التلميذ الكامل فيقول ـ هو من يحصل العلم ويثور على الطغاة وكنا نحبه بقدر ما نجله، ونتلقى عنه الوطنية والأصالة، وبفضله أحببنا اللغة العربية وعشقنا أشعارها. سوف نقرأ كثيرا عن سعد باشا، وعن ثورة 1919 في أعمال نجيب محفوظ الكبرى، مثل «الثلاثية»، و«حكايات حارتنا»، و«اصداء السيرة الذاتية»، و«السراب»، قال لي نجيب محفوظ إن الانجليز صاروا يطاردون من يهتف باسم سعد زغلول، ويعتقلونه، فلجأ المصريون الى حيلة طريفة عندما بدأ باعة البلح ينادون على النوع الجيد منه. (زغلول يابلح زغلول).. وكانوا يطيلون في النداء المنغم، ومازال البلح الأحمر الجيد، عالي السكر، يعرف باسم البلح الزغلول، وربما يرجع هذا الى وجه الزعيم المشرب بالحمرة، وظهرت وقائع تشبه الأساطير، عندما تردد أن دجاجة ولدت بيضة وجدوا عليها اسم سعد منقوشا، لقد تحول سعد باشا الى أسطورة. لنستعيد ما كتبه نجيب محفوظ في أولاد حارتنا، أورد هذا المقتطف من الحكاية الثانية عشرة. وأحملق من فوق السطح، وأتساءل عما يحدث للدنيا. وتتلاطم الأحاديث مشحونة بكهرباء الوجدان، وينهمر سيل من الألفاظ الجديدة، السحرية، سعد زغلول، مالطا، السلطان، الهلال والصليب، الوطن، الموت الزؤام. الاعلام ترفرف فوق الدكاكين، صور سعد زغلول تلصق بالجدران امام المسجد يظهر في شرفة المئذنة ويهتف ويخطب وأقول لنفسي ان ما يحدث غريب، ولكنه كان مثيرا ومسلياً وشديد البهجة.. كان محفوظ طفلا في زمن أحداث الثورة، ولكنه كان شابا عندما مات سعد باشا، قال لي إن حزنا كونيا عم مصر، حتى اللصوص والمطربات أضربوا عن العمل، توقفوا حزنا. ها هو يصف تلقيه خبر موت الزعيم في الحكاية رقم 23 من «حكايات حارتنا». ذات صباح تدهمني اليقظة بعنف، استيقظ مجذوبا من عالم الغيب بقبضة مبهمة، يلفنى تيار من الطنين، انصت فيقف شعر رأسي، من ترقب الشر، أصوات بكاء تتسلل اليّ من الصالة، تغرز أفكار السوء اسنانها في لحمي. ويتخايل لعيني شبح الموت. أبث من الفراش مندفعا نحو الباب المغلق، أتردد لحظة ثم أفتحه بشدة لأواجه المجهول. أرى أبي جالسا، أمي مستندة الى الكونصول، الخادمة واقفة عند الباب الجميع يبكون، وتراني أمي فتقبل علي وهي تقول: ـ افزعناك.. لا تنزعج يابني أتساءل بريق جاف ـ ماذا فتهمس في أذني بنبرة مختنقة ـ سعد زغلول.. البقية في حياتك فأهتف من أعماقي ـ سعد وأتراجع الى حجرتي وتتجسد الكآبة في كل منظر.. مازال نجيب محفوظ يذكر تلك الأيام الحزينة والجنازة الأسطورية لسعد باشا الذي مرت ذكراه من أيام قليلة، وثمة جيل، بل ربما أجيال جديدة لا تعرف عنه ما يجب أن تعرفه، وأخشى القول ان كثيرين يجهلونه تماما.