منذ بداية عهد الحكم الوطني في السودان عام 1956 وحتى اليوم ـ عبر ما يقارب نصف قرن ـ ليس للحزب الاتحادي الديمقراطي ما يمكن ان يطلق عليه برنامج استراتيجي جاد فضلا عن ايديولوجية، رغم انه من المفترض ان يكون حزب جماهير الطبقة الوسطى الواعية من اهل المدن. هذا ما يفسر لنا لماذا بقيت الصراعات داخل الحزب في عهود متعاقبة محصورة في دائرة المكايدات الشخصية حول منصب الزعامة والقيادة العليا (على الميرغني ضد الازهري.. ومحمد عثمان الميرغني ضد زين العابدين الهندي)، كما يفسر لنا لماذا تتشتت صفوف الحزب قياديا وجماهيريا كلما حل على السلطة نظام انقلابي، ومما يلفت الانتباه في هذا السياق ان التاريخ يسجل ان السيد علي الميرغني كان اول من ابرق مؤيدا نظام الجنرال عبود الانقلابي في عام 1958 وبقي حليفا استراتيجيا له حتى النهاية.. وان محمد عثمان الميرغني بايع نظام الجنرال نميري من اول وهلة وبقي على هذه البيعة الى ان قامت انتفاضة 1985. اجل في عهد الادارة الاستعمارية البريطانية كان هناك برنامج استراتيجي محدد محوره تحرير البلاد من الاستعمار (واقامة اتحاد من نوع ما مع مصر) لكن عدا ذلك لم يكن لقيادة الحزب حتى مجرد تصور مبدئي لبناء الدولة السودانية عندما حققت البلاد الاستقلال السياسي عام 1956 وصار لها علم ونشيد وطني وظل الحال كذلك حتى اليوم. الآن في موقعي المعارضة داخليا وخارجيا تعلن قيادات الحزب وتكرر انها تستهدف اسقاط «نظام الانقاذ» لاستعادة الديمقراطية التعددية، هذا هدف وطني نبيل دون ادنى شك ولكن اسأل محمد عثمان الميرغني او زين العابدين الهندي عن ماذا اعد اي منهما من برنامج محدد لبناء السودان اقتصاديا في عصر العولمة ولن تظفر باجابة. «الحزب الاتحادي الديمقراطي» هو نفسه اذن بحاجة الى اعادة بناء لكي يملأ ذلك الفراغ المتاح له تاريخيا اكثر من غيره لحشد طاقات جماهير الطبقة الوسطى وشحذها على طريق العمل البناء المسئول اقتداء بتجربة الهند وحزب «المؤتمر» الذي تتشابه نشأته وطبيعة تكوينه مع رصيفه السوداني. لكن لكي يتمكن «الاتحادي الديمقراطي» من اعادة بناء نفسه فان عليه اولا ان يتحرر من قيود الاوتوقراطية الطائفية». ان الشرط الاول والاساسي لانطلاق اي عملية لاعادة بناء هذا الحزب العتيق هو اعتماد اسلوب الممارسة الديمقراطية على جميع مستوياته الهيكلية، من القاعدة الى القمة لكن الممارسة الديمقراطية لن يتسنى تطبيقها على الاطلاق طالما بقيت آلية الحزب رهن اشارة «السيد» فقط وهي اشارة طائفية غير قابلة للنقاش. والانصاف يقتضي ايضا ان هذه الاوتوقراطية لم تقتصر على آل الميرغني اسماعيل الازهري نفسه كزعيم حزبي كان اشد اوتوقراطية كان يكفي ان يغضب الازهري لاسباب شخصية على احد اعضاء الحزب البارزين، فيطرد هذا العضو من الحزب نهائيا بفرمان مكتوب يصدره الرئيس الازهري يستهله بعبارة «الى من يهمهم الامر سلام». فقد صادر الرئيس صلاحيات اللجنة التنفيذية للحزب وما كان يليها، بما في ذلك المؤتمر العام السنوي. وأليس غريبا ان آخر مؤتمر عام لهذا الحزب الكبير كان قبل 35 سنة؟! وأليس الأغرب ان زعيم الحزب الحالي ظل لمدى الستة عشر عاما الاخيرة يماطل في الدعوة الى عقد مؤتمر عام؟ ان للحزب الاتحادي الديمقراطي قاعدة جماهيرية عريضة بطول السودان وعرضه ليس لها نظير من حيث تميزها النوعي، وله نخبة مثقفة واسعة تنتظم كل القطاعات لكن للاسف ليس للحزب بوصلة لانه كيان بلا مضمون. ولكي ينقذ هذا الحزب الكبير نفسه من التفتت على طريق التلاشي والانقراض، فان على عناصره القيادية المتصارعة حاليا ان تنبذ حرب المكايدة غير الموضوعية حول الشكليات التنظيمية ليجلسوا معا من اجل التفاكر حول استنباط رسالة للحزب لكن عليهم قبل ذلك ان يعتنقوا الديمقراطية الداخلية كمنهج ثابت وأوحد هذه هي بداية المشوار. احمد عمرابي