عرف المثقفون العرب أسماء من قبيل رامتان حيث كان يسكن طه حسين وكرمة بن هانئ حيث كان يسكن أحمد شوقي.. مثلما ارتبطت في الذاكرة العربية المعاصرة أسماء أدباء ومبدعين كبار، في قامة ميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وجبران خليل جبران بسكناهم في أماكن من ريف الجبل اللبناني مثل بسكنتا والفريطة وبشري. لسنا ندري ما الذي حدث لمساكن المبدعين اللبنانيين ولكننا ندرى ـ على التحقيق ـ أن رامتان ـ طه حسين مازالت باقية لحسن الحظ وربما يرجع الفضل في هذا إلى مثقف مخلص دؤوب اسمه نبيل فرج (شقيق المسرحي العربي الكبير الفريد فرج) وكذلك الحال بالنسبة إلى كرمة أمير الشعراء التي مازالت متحفا انيقا وبهيجا على شاطئ النيل في مشارف الجيزة مقابل حديقة الحيوان. ومن عجب أن طه حسين لم يسهب في حديث عن سكنه في فيللا (رامتان) ولا حدثنا أمير الشعر الحديث باسهاب عن (كرمة بن هانئ).. وربما كان أكثر الأدباء العرب المعاصرين حديثا عن سكناه وحياته المنزلية هو الاستاذ العقاد الذي ترك لنا كتابا صغيرا وجميلا اسمه (بيتي) توقف فيه بتفصيل كثير عند أهم ما في ذلك البيت المتواضع رقم 13 شارع سليم الأول في مصر الجديدة ـ القاهرة وهو مكتبة العقاد الغنية الحافلة. وما خلا أرفف المكتبة بمجلداتها ومجموعة الحشرات التي يقال ان العقاد كان يمتلكها ويحرص عليها ويفهم فيها.. ثم مجموعة الاسطوانات التي لم يحدثنا العقاد عنها كثيرا.. ومجموعة اللوحات ومنها ما أهداه إليه صديقه ومريده الفنان الكبير صلاح طاهر ـ ماخلا هذا ـ كان بيت العقاد إياه يحوي من المتاع الشيء البسيط وربما الزهيد بل ربما يحوي ما لا يصدق عليه وصف المتاع من الأساس كيف لا وقد ظل طباخه النوبي الطيب عم أحمد يستخدم وابور الكيروسين بكباسه اليدوي الشهير بعد أن كانت مصر قد دخلت عصر البوتاجاز بوقت طويل. بعد أن صدر كتاب العقاد أصبحت جمرة المثقفين الناطقين بالعربية على بينة من موقع بيت العقاد 13 شارع سليم الأول.. الخ. ومع ذلك فقد ضاع البيت واندثرت معالمه واختفت آثاره بعد رحيل الكاتب العربي الكبير.. وأصبح لسان حاله يكاد يردد قول الشاعر الشهير أضاعوني وأي فتى أضاعوا.. وبدلا من أن يحافظ القوم على البيت الذي سكنه العقاد على مدار خمسة وثلاثين عاما وربما تزيد.. اكتفوا بأن وضعوا اسم العقاد على شارع في مدينة نصر يحوي أكبر كمية ممكنه بعد اذنك ـ من البوتيكات السوبر مودرن ومن العمارات سخيفة التصميم ودخيلة الأشكال سوبر مودرن أيضا.. تماما كما ضاعت بالأمس القريب معالم بيت أم كلثوم وقد كان فيللا جميلة بدورها على شط النيل في الزمالك.. وبدلا من سكن الفنانة.. جاء من يبني برجا سكنيا سوبر مودرن بدوره (راجع تعريفنا المذكور أعلاه) ومن باب ابراء الذمة والدلع التاريخي كما قد نسميه أطلق على كتلة الأسمنت التي شيدها اسم الفنانة أم كلثوم.. ولا حول ولا قوة إلا بالله. لم يبق من بيت العقاد سوى ذكريات ممتعة ومفيدة أيضا سجلها الكاتب أنيس منصور في واحد من أهم كتبه.. ولعله أهمها قاطبة وعنوانه (في صالون العقاد.. كانت لنا ايام) وعندنا أن الاستاذ أنيس قد تزيد قليلا وربما كثيرا في استخدام لفظة (صالون) وهو يصف الندوة العقادية التي كانت يعقدها الاستاذ العقاد عصر كل يوم جمعة.. كلمة (صالون) تومئ إلى اثاث فاخر ورياش فاره وطنافس مفروشة وذرابي مبثوثة ولم يكن صالون العقاد سوى غرفة جلوس بسيطة الأثاث.. عارية من كل ما هو فاخر وعاطلة من كل ما هو نفيس أو ثمين. لكن ما كان أغنى صالون العقاد وما كان أنفس ما يحتويه حين كانت تردد بين جدرانه حكمة الفلسفة وثمار الإبداع ورزانة النقد ونفائس الأفكار وروعة المطارحات بين الاستاذ الكبير ومريديه وتلاميذه وكان منهم بدورهم أساتذة كبار في مجالات الإبداع المختلفة ما بين زكي نجيب محمود إلى عثمان أمين إلى عبد الرحمن صدقي إلى الموسيقار محمد حسن الشجاعي. بيت أم كلثوم أصبح ذكرى من الماضي ولكن هذه الذكرى ما لبثت ـ بحسن الحظ ـ أن وجدت تجسيدا بروح الفن المرئي فكان أن عاد إلى الحياة على يد صديقنا المبدع الكبير محفوظ عبد الرحمن وزميلتنا المخرجة المقتدرة إنعام محمد علي في المسلسل التلفزيوني الذي أهدياه للأجيال معطرا بأريج الذكرى ومسترجعا حقبة حافلة مشهودة من تاريخ الفن والأدب والمجتمع. ويعلم الله كم ثارت أشجاننا هذه وقد خالطتها نوازع جمعت بين غضب وغيرة حين قرأنا في مجلة (هستوري) الإنجليزية موضوعا موجزا عن (بيت الدكتور جونسون). وكما يتضح من اسمها فالمجلة الشهرية التي تصدر في لندن معنية بكل ما يتصل بالتاريخ الإنساني في شتى حقبه ومراحله وقد اشتريناها بالشيء الفلاني لأنها مستوردة ـ كما لا يخفى على فطنتك من لندن ـ إلى حيث نقيم حاليا ـ بعد إذنك ـ في نيويورك. والمجلة تحمل أيضا اسم (بي. بي. سي) ومن ثم فقد يكون لها علاقة بهيئة الإذاعة البريطانية الكلية الاحترام وقد لا يكون والله سبحانه أعلم. وقبل أن ندخل معك في التفاصيل فقد أعجبنا للوهلة الأولى موضوع عن (العصر الذهبي لبغداد) العباسية (وبغير مزيد من ثرثرة أو تفصيل فقد قدمت المجلة هذا الموضوع الذي كتبته البروفيسور) كارول هيلينبراند (استاذة التاريخ الإسلامي في جامعة إدنبره اسكتلندا) فقالت: ان الإسلام في العصر الوسيط احتضن جميع الثقافات وقاد العلم والمعرفة والتعلم إلى ذرى رفيعة ومن ثم فالكاتبة تقدم موضوعها إجلالا لحضارة مجيدة يرجع مرجوعنا إلى سبب الاشجان التي راودتنا والغيرة التي اجتاحتنا.. حيث طالعتنا صورة ملونة للبيت الذي كان يسكنه أحد عمالقة الأدب الإنجليزي وهو الدكتور صمويل جونسون وقد أصبح البيت متحفا ومزارا وعنوانه 17 جاوسكوير بشارع فليت في العاصمة لندن وفيما بقى بيت أحمد شوقي بعد رحيله بسبعين عاما..وبقى بيت طه حسين بعد رحيله بثلاثين عاما وفيما تبدد بيت العقاد رغم رحيله بأربعين عاما وزال بيت أم كلثوم رغم رحيلها بستة وعشرين عاما فإن بيت الدكتور الإنجليزي جونسون عاد إلى الحياة مجددا ومرمما وجاهزا للزيارة واسترجاع الذكريات البعيدة البعيدة، بعد رحيل ساكنه بنحو 217 سنة بالتمام وبألف كمال. تقول لنا مجلة هستوري البريطانية دفعنا فيها الشيء الفلاني بعد تحويل الاسترليني إلى دولارات: ان صمويل جونسون كان مثقفا خاوي الوفاض وباحثا خامل الذكر إلى أن فتح الله عليه بأن كلفوه بوضع أول وأكبر قاموس للغة الإنجليزية وكان ذلك عام 1746 ورغم أن جونسون كتب في هذه المناسبة رسالته الشهيرة إلى راعيه وحاميه وولي نعمته السابق اللورد شسترفيلد يقول فيها إنه أنجز قاموسه بغير معونة اللورد عبر سنوات سبع عجاف من الدرس والتجميع والتحقيق اللغوي وشظف العيش ـ إلا أن الحقيقة أن جونسون قد تلقى من جماعة من أصحاب المطابع مبلغا وقدره 1575 جنيها استرلينيا حسبته مجلة هستوري بأسعار أيامنا الهنية الراهنة فإذا به يصل إلى 120 ألف استرليني بعد حساب معامل التضخم المعاصر بطبيعة الحال. هنالك فتح الله على عبده صمويل جونسون وعندما جرت الأموال الاسترلينية بين يديه أخذ المبلغ الطائل وقرر أن يفارق عيشة الضنك وسكن الخيبة القديم إلى حيث استأجر بيتا محترما من 4 طوابق على ناصية فليت ستريت شارع الصحافة العتيد في عاصمة الإنجليز ولم يكن جونسون مبالغا في ذلك لأنه كان يستخدم في جمع قاموسه 6 مساعدين إلى أن تسنى لهم أن يجمعوا تحت إشرافه وبفضل جهوده الدؤوبة بل الرهيبة في تحقيق وتحرير الألفاظ ـ مادة القاموس التي تألفت من 43 ألف مدخل و113 ألف عبارة ساقها الدكتور جونسون لكي يفسر ويؤكد ما اهتدى إليه في متن الإنجليزية من تعريفات. المشكلة أن جونسون ـ مثل أي مثقف نحرير كان في غاية الخيبة من حيث الإنفاق وإدارة شئون المعيشة وتدبير أمور المال والاقتصاد.. ولذلك طردوه ـ المسكين ـ من البيت العزيز بعد 13 سنة من السكن المريح وبعدها عادت عوادي الزمن الصعب على المنزل.. ما بين غرفات لسكن الصعاليك بالإيجار وما بين مكاتب لصغار الطباعين وما بين هدم بالكامل على يد طائرات الهرهتلر في الحرب العالمية الثانية إلى أن اشتراه وجيه إنجليزي أمثل عرف قدر البيت واعترف بتاريخه وتسلمته جمعية أصدقاء الدكتور جونسون وقررت إعادته إلى الحياة ومن ثم سلمته إلى كبار المتخصصين لكي يعيدوا إلى الأثر المتداعي رونقه القديم على نحو ما كان عليه الحال في النصف الأخير من القرن الثامن عشر تصور! المفروض أن يكون بيت الدكتور صمويل جونسون عين أعيان أدباء القرن المذكور في إنجلترا قد تم افتتاحه في منتصف أغسطس الفضيل.. ولا عزاء لبيوت أخرى كانت سكنى للعبقرية ومثوى للإبداع في دنيا العرب. ابتداء من عباس العقاد إلى ناظم الغزالي وليس إنتهاء من أم كلثوم إلى محمد عبد الوهاب.