كثير من المحللين السياسيين والمعلقين العرب، أصدروا حكما خلاصته أن العلاقات التركية الإسرائيلية تعيش أزمة كبيرة .. وأنه يتعين على العرب انتهاز هذه الحالة من أجل الدفع بالأزمة الى طور القطيعة ، بين أنقرة وتل أبيب، وذهب بعضهم الى أن كل المؤسسات السياسية والعسكرية التركية تشهد نقاشا جديا حول الصلة باسرائيل. وأن هناك معطيات تقوض اللوبي الذي يدافع عن هذه الصلة، وتفسح المجال لفرض الرأي الذي ينادي بالاتزان السياسي بين العرب واسرائيل. لقد بنى هؤلاء استنتاجهم هذا بالاحالة الى الخلاف بين العاصمتين، الذي تلصص أثناء زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون الأخيرة الى أنقرة، وكان الزعماء الأتراك قد أظهروا امتعاضا من السياسة التي يتبعها الأخير في فلسطين المحتلة، وكذا من فجاجته الشخصية حين أصر على استخدام تعبير (جبل الهيكل) عوضا عن الحرم القدسي الشريف، دون مراعاة لمشاعر نحو 70 مليون تركي مسلم يحنون الى القدس والى اولى القبلتين، وقد بلغ هذا الامتعاض الى درجة الحنق والغضب، عندما ألمح شارون بشيء من التهديد والمساومة الابتزازية، الى أن اسرائيل تتوقع مساعدة أنقرة في استعادة الهدوء والأمن (بمعنى وقف الانتفاضة)، كشرط لمؤازرتها في حل مشكلاتها الاقتصادية والمالية والسياسية عبر اللوبي اليهودي في الكونجرس الأمريكي. بهذه التصرفات يكون شارون قد خرج عن حدود اللياقة مع مضيفيه، وربما أزعجهم وسبب لهم حرجا في الداخل أمام رأي عام تربطه أواصر دينية وتاريخية حميمة بالقدس، وفي الخارج بالنظر الى رغبتهم في تحسين صورتهم العربية والاقليمية (الاسلامية)! لكن هذا الانزعاج والقلق لايكفيان اطلاقا لتسويغ القول بأن ما بين تركيا واسرائيل أضحى على حافة الهاوية، وأن علاقاتهما الخاصة مؤهله للسقوط، ولا تحتاج إلا لتحرك عربي في هذا الاطار. فمثل هذا القول يأخذ بمتغيرات اللحظة ولا يتأمل الثوابت المحددة لهذه العلاقة. بل ويتجاهل أصحابه أن زيارة شارون ذاتها جاءت تتويجا لعدد كبير من الزيارات المتبادلة على مستويات عالية أخرى، جرت في هذا العام (2001)، والانتفاضة على أشدها. ولسنا بحاجة للتذكير بأن العلاقات التركية الاسرائيلية، تندرج في سياق شبكة كبرى من التفاعلات والخيارات، لا يدخل العامل الفلسطيني ـ أو حتى الاسلامي ـ كمحدد أساسي فيها. حقا هناك غضب من جانب نخبة الحكم في تركيا ازاء بعض السلوكيات الاسرائيلية، غير أن هذه حالة مؤقتة تحدث بين الأصدقاء والحلفاء. ويأتي على رأس مسببات هذه الحالة في الشهور الأخيرة، الرفض الاسرائيلي لمنح أنقرة (شرف الوساطة) في الموضوع الفلسطيني. فقد تصورت الحكومة التركية أن مكانتها الخاصة عند تل أبيب تشفع لها في نيل هذا الشرف، لاسيما وأن العرب بدورهم يتحرقون لبادرة تركية تستغل هذه المكانة، لكن الشريك الاسرائيلي الاستراتيجي تمنع في منح هذه الفرصة.. وزاد الطين بلة ما بدا من شارون ابان الساعات الثماني التي قضاها في أنقرة. يعلم شارون يقينا أن الحكام الأتراك ليسوا في موقع ولا موقف داخلي أو اقليمي أو دولي، يؤهلهم للقطيعة مع اسرائيل، ولا حتى لاطالة أجل الغضب من سياساتها. هذا أمر شرحه يطول. بيد أن ما نود، وما ينبغي، لفت النظر اليه، ضرورة التروي في تبصر ملف العلاقات التركية الاسرائيلية من منظور شامل استراتيجي، لا تبهره التفاصيل عن تدبر المساق العام. ويبدو أننا بحاجة لتعميم هذا التنويه. فسرعة القفز من معطيات وحيثيات منمنمة غير ذات مغزى عميق، أضحت نمطا يطبع كثيرا من المعالجات العربية المتعلقة بالتفاعلات الاسرائيلية، داخليا وخارجيا. فاذا أظهر شيمون بيريز خلافا مع وجهة نظر شارون، حول جدوى السلطة الفلسطينية واحتمالات الحوار مع عرفات، تهلل البعض واستبشروا بقرب سقوط الحكومة الارهابية الحالية القائمة على تحالف العمل والليكود..! واذا تباينت تصريحات الرئيس الأمريكي بوش الابن مع رؤية شارون بشأن مستوى الهدوء اللازم في فلسطين المحتلة لتطبيق تقرير ميتشيل، ذهب هؤلاء أنفسهم الى أن شرخا حدث في الموقف الأمريكي من سياسة اسرائيل تجاه الانتفاضة! مثل هذه التحليلات المبتورة، لا تساعد على التفهم الحقيقي لما يعتمل في باطن اسرائيل، ولا تقدم رؤى دقيقة حول حدود علاقة هذه الدولة بحلفائها ومحازبيها الدوليين، وأصحابها يسهمون عن قصد وغير قصد في جرف هذين المستويين بعيدا عن الواقع الموضوعي. ولعل عذرهم في ذلك، أنهم ينتمون في جلهم للمدرسة التي تنتظر حلا للمعضلة العربية الاسرائيلية من خارج الارادة العربية. ونخشى أن هذا المسعى لن يوفق الى غايته، لأنه ببساطة يخالف طبائع الأمور. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة