«الحزب الاتحادي الديمقراطي» ثاني اكبر الاحزاب السياسية السودانية ـ له وجودان: داخلي وخارجي. ولكن مع بقاء زعيم الحزب خارج الحدود لنحو عشر سنوات حتى الآن ومعه بضعة اشخاص انتقاهم بنفسه انتقاء ليشكلوا دائرة استشارية ضيقة من حوله، انشق التنظيم داخل السودان على نفسه.. وعمليا انقسم الى حزبين متضادبن مع احتفاظ كل منهما باسم «الاتحادي الديمقراطي» كناية عن ادعاء الشرعية مع عدم الاعتراف بالشق الآخر. ومن منظور جماهير الحزب ومؤيديه داخل البلاد وخارجها، ربما يكون هذا تطورا جديدا. لكن الحقيقة ان الحزب ظل منذ انشائه في منتصف اربعينيات القرن الماضي تحت اسم «الاشقاء» قابلا للانشقاق. ولقد انشق فعلا والتأم اكثر من مرة. لكن تشتت صفوف الحزب الاتحادي الديمقراطي وانشقاقه ليس سببا وانما هو نتيجة. اما السبب فيرجع الى اعتبارين: أولا: ثنائية الزعامة على مستوى القمة العليا بين قيادة وطنية تنتمي الى الشارع العريض وقيادة طائفية تنتمي الى بيت آل الميرغني. ثانيا: غياب اي خط ايديولوجي ثابت للحزب في كل عهوده او حتى مجرد برنامج عمل جاد ومفصل. وهذا امر يؤسف له لانه بسبب هذا القصور الازدواجي عجز الحزب عن استثمار الفرصة العظمى المتاحة له اكثر من غيره من التنظيمات والتيارات السودانية لاجتذاب الاجيال المتعاقبة من جماهير الطبقة الوسطى من اهل الحضر، مما اتاح للحزب الشيوعي السوداني في السابق وحزب «الجبهة القومية الاسلامية» لاحقا استقطاب اقسام كبيرة من شرائح هذه الطبقة. كتنظيمين ايديولوجيين. لقد نشأ الحزب تحت اسم «الاشقاء» في الاربعينيات كتنظيم جماهيري لقيادة الحركة الوطنية ضد الادارة الاستعمارية البريطانية بهدف تحرير البلاد والدخول في نوع من الاتحاد مع مصر. وما هي الا بضع سنوات والادارة البريطانية ما زالت قائمة حتى وقع اول احتكاك قيادي بين رئيس الحزب اسماعيل الازهري وزعيم طائفة الختمية السيد علي الميرغني مما ادى الى انقسام الحزب الى تنظيمين ظهر على رأس احدهما محمد نور الدين بتدبير من آل الميرغني كشخصية منافسة للأزهري وبتدخل مصري جرى تلافي هذا الانشقاق واستعادة وحدة الحزب برئاسة الازهري. ولكن كما اثبتت الاحداث لاحقا فإن الازمة كانت اعمق مما كان متصورا. فقد وقع الانشقاق مرة اخرى مع اعلان استقلال البلاد عام 1956. كان آل الميرغني يريدون قيادة للحزب تكون رهن اشارتهم، لكن هذا لم يكن ليلائم زعيما بحجم الازهري رفعته شعبيته الكاسحة في جميع انحاء البلاد الى مرتبة بطل وطني. ومع تصاعد الاحتكاك بين آل الميرغني والازهري سحب السيد علي الميرغني دعم طائفته للحزب وأمر بإنشاء حزب مستقل تحت اسم «حزب الشعب الديمقراطي». في هذه الاثناء كان التنظيم الاصلي قد تغير اسمه من «حزب الاشقاء» الى «الحزب الوطني الاتحادي» ومنذ ذلك والى ان رحل السيد علي الميرغني عن الدنيا بعد 12 عاما ظل كل من«الوطني الاتحادي» و«الشعب الديمقراطي» يعتبر الآخر عدوه الألد، على نحو ما يجري حاليا بين الشريف زين العابدين الهندي كوريث للوطني الاتحادي ومحمد عثمان الميرغني كوريث للشعب الديمقراطي. على ان رحيل الميرغني الاكبر، وبالتالي زوال الخصومة على المستوى الشخصي مع الازهري، أوجد مناخا جديدا اتاح التئام الحزبين تحت تنظيم واحد كبير باسم «الحزب الاتحادي الديمقراطي» برئاسة الازهري. ولكن بعد سنة واحدة فقط وقع انقلاب جعفر نميري في منتصف عام 1969، ليفرض واقعا جديدا ثبت لاحقا انه كان نقطة تحول في المسار المستقبلي للحزب الاتحادي الديمقراطي فمع رحيل اسماعيل الازهري بعد الانقلاب بنحو ثلاثة شهور انقسم الحزب مرة اخرى ـ دون اعلان ـ الى حزبين: احدهما بزعامة محمد عثمان الميرغني بايع نميري وبقي على هذه البيعة حتى سقوط النظام بعد 16 عاما في عام 1985.. اما الآخر فقد تزعمه الشريف حسين الهندي ليتخذ موقف معارضة ضد النظام بلغ مستوى شن حرب بالسلاح الناري.