رغم ان اعداد قوافل الشهداء ومواكب الجرحى الفلسطينيين تزداد يوما بعد يوم منذ اندلاع انتفاضة الاقصى قبل حوالي عشرة أشهر، ورغم ان الشعب الفلسطيني يدفع ثمنا باهظا في مواجهته للاحتلال الاسرائيلي الغاشم، الا ان الاسرائيليين يدفعون ايضا ثمنا لا يقل كلفة بل ربما يزيد على ما يدفعه الفلسطينيون. وتكفي حالة الرعب التي يعيشها الاسرائيليون بشكل دائم، حيث لم يعد هناك مكان آمن داخل الكيان الاسرائيلي بما فيه مقر وزارة الدفاع ورئاسة الوزارة في اسرائيل بعد الهجوم المسلح الذي قام به احد الفلسطينيين عليهما في الاسبوع قبل الماضي، مما جعل المسئولين الاسرائيليين يشعرون بالرعب الشديد فضلا عما يشعر به كل اسرائيلي في الشارع، حتى ان صحيفة «يديعوت احرونوت» الاسرائيلية نشرت استطلاعا للرأي يوم الجمعة الماضي جاء فيه «ان 66% من الاسرائيليين يرون ان شارون لم يجد بعد الرد المناسب لغياب الأمن الذي خلفته الانتفاضة»، رغم كل ما يقوم به شارون من تقتيل وتدمير. ويكاد الرعب ـ كما ذكر الكاتب الاسرائيلي يوئيل ماركوس في مقال نشر له في صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية في الاسبوع الماضي ـ يكون في كل شيء ومن كل شيء، فلم يعد هناك اسرائيلي يشعر بالأمن ليس في اسرائيل فقط وانما حتى خارجها، وقد تمثل ذلك في تقرير نشرته صحيفة «الحياة» يوم الخميس الماضي نقلا عن مراسلها في استوكهولم «ان السفارة الاسرائيلية هناك، رفضت تسلم حقيبة وصلتها بالبريد الدبلوماسي لاعتقاد جهاز الأمن بالسفارة انها تحوي مواد متفجرة». وتعتبر اصابة مجتمع عسكري مثل المجتمع الاسرائيلي بالرعب وفقدان الأمن من قبل شعب أعزل هو الشعب الفلسطيني، نجاحا منقطع النظير في مجال المواجهات بمعاييرها الدولية. وقد دفع غياب الامن داخل الكيان الصهيوني في الولايات المتحدة الحليف الأول والداعم الاساسي لاسرائيل ان تحذر رعاياها في 11 اغسطس الجاري من الذهاب الى اسرائيل والضفة الغربية وغزة، ودعا البيان الذي اصدرته الخارجية الامريكية الامريكيين المقيمين في اسرائيل «بتحاشي الذهاب الى المراكز التجارية والمطاعم والمقاهي ومحطات الحافلات»، مما يعني اشاعة الرعب في نفوس الامريكيين المقيمين في اسرائيل. كما قامت معظم شركات الطيران الاوروبية بتخفيض عدد رحلاتها ومواعيد طائراتها الى اسرائيل، وكان آخرها «لوفتهانزا» الالمانية و«بريتش ايرويز» البريطانية و«كي.ال.ام» الهولندية و«سويس اير» السويسرية، حيث اصبحت طواقم رحلاتها تخاف المبيت في اسرائيل، كما جاء على لسان اسحق زاروني المتحدث باسم «لوفتهانزا» في اسرائيل في حديث لرويتر نشر في 13 اغسطس الجاري، وجاء فيه «اعتبارا من اليوم لن تبيت اطقمنا هنا.. فهم يخافون من المبيت في تل ابيب». وقبل هذه الشركات كانت «ايرفرانس» الفرنسية قد قررت خفض رحلاتها الى اسرائيل بنسبة خمسين في المئة. وقد كان للانتفاضة كذلك تأثيرها المباشر على خفض معدلات الهجرة الى اسرائيل التي انخفضت بنسبة 11%، كما ارتفعت نسبة الهجرة من اسرائيل ليهود أوروبا الذين يعودون الى اقطارهم بسبب عدم شعورهم بالأمن. اما السياحة فقد انخفضت بشكل بارز، وأعلن شمشون ادلير مدير فرع الفنادق في الشركة الاستشارية اندرسون ـ اسرائيل ان تدهور الاوضاع الأمنية في اسرائيل بسبب الانتفاضة ادى الى هروب السياح الاوروبيين الى مقاصد بديلة في المنطقة، وعلى رأسها مصر ودولة الامارات العربية المتحدة، حيث وصل الانخفاض على حجز الغرف في الفنادق الاسرائيلية 42%» وهي نسبة عالية للغاية في دولة كانت تفخر بأعداد سياحها وبمواردها من السياحة، وقد أكدت على هذا صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية في عددها الصادر يوم الجمعة الماضي، حيث أكدت ان السياحة في اسرائيل قد انخفضت الى نصف ما كانت عليه في العام الماضي بسبب الانتفاضة. ورغم ارتفاع نسبة البطالة لدى الفلسطينيين فانها اصبحت خطيرة لدى الاسرائيليين بسبب الانتفاضة، كما أكدت «ليبراسيون» حيث وصلت في بعض المدن 10% بين الاسرائيليين وهي نسبة كما وصفت خطيرة، حيث دفعت الحكومة الاسرائيلية للتدخل، كما ادت الانتفاضة الى تراجع خطير في قطاع البناء وانحصرت نسبة النمو المتوقع الى واحد في المئة فقط بعدما بلغت 6.2% في العام الماضي، كما كبدت الانتفاضة الفلسطينية، كما اكدت «ليبراسيون»، الانفاق العام الاسرائيلي أكثر من ثلاثة مليارات شيكل. ان هذه المعطيات البسيطة تؤكد على حقيقة واحدة ان اسرائيل تستنزف بفعل الانتفاضة، وان خسائر الفلسطينيين لا تذهب هباء، بل انها تجني ثمارا وانتصارات كبيرة مقارنة بميزان القوى بين الطرفين، وان الاسرائيليين ربما «يألمون» اكثر من الفلسطينيين. ويكفي ان نقرأ ردود فعل الفلسطينيين على استشهاد ابنائهم وردود فعل الاسرائيليين على قتل ابنائهم. فرغم كل الخذلان العربي والتواطؤ الدولي، فان الشعب الفلسطيني الاعزل يواصل معركته ويحقق كل يوم المزيد من الانتصارات، ويحطم كل يوم جانبا من اسطورة الشعب الذي لا يقهر؟!! ـ كاتب واعلامي مصري