هل كان اصرار وزراء الخارجية العرب على ان يكون اجتماعهم الاستثنائي الاسبوع الماضي سريا؟ هل كان ذلك الاصرار من قبيل استشعار الجدية والحسم ام من قبيل الخجل والاستتار؟ ابتداء لم يكن الاجتماع استثنائيا بالمعنى الايحائي الخطير الذي تحمله هذه الكلمة ربما كان اجتماعا استثنائيا بالمعنى التوقيتي الشكل.. أي انه عقد خارج الجدول الزمني للاجتماعات الدورية. لكن من حيث المضمون فان الاجتماع انعقد وانفض في نفس اليوم دون ان يأتي بجديد، فالنتائج التي افرزها الاجتماع الوزاري لم تكن جديرة حتى بقطعة اخبارية في صحيفة مغمورة. لم السرية إذن؟ في دفاعه عن وجوب انعقاد الاجتماع خلف ابواب مغلقة تحدث الامين العام للجامعة العربية عن «خطورة الأمر» المطروح على الوزراء بما يتطلب ان تكون مداولاتهم سرية، واكتسب قول الامين العام شيئا من المصداقية عندما اعلن الوزراء بعد جلسة ختامية استغرقت ثلاث ساعات ان بعض القرارات او التوصيات التي تبنوها تعتبر سرية. غير ان الامر برمته انكشف عندما اذيع رسميا بعد ختام الاجتماع أن هناك اقتراحين محددين اسقطا بالاغلبية: الاول يدعو الى قطع اي علاقات قائمة مع اسرائيل بما في ذلك العلاقات الدبلوماسية، والثاني يدعو الى اعادة الاعتبار العربي رسميا الى نظام المقاطعة التجارية الكاملة ضد الدولة اليهودية. هنا وهنا فقط نفهم الحكمة من الاصرار على سرية المداولات، فالحكومات العربية التي تعارض اي توجه عربي حاسم وقاطع بشأن اسرائيل ـ وهي الغالبية ـ لا ترغب ان يطلع الجمهور على موقف كل منها ازاء الاقتراحين المطروحين من خلال جلسات علنية مفتوحة للاجتماع. ما هي القرارات «السرية» إذن؟ ان الاعلان الرسمي بأن الاجتماع تبنى قرارات سرية لا يجوز اذاعتها ـ في الوقت الحاضر على الاقل ـ يوحي وكأن هذه القرارات على اعلى درجة من الخطورة، وبوسعك في هذا الصدد ان تتصور شيئا مثل اعتزام الحكومات العربية امداد المقاومة الفلسطينية بالسلاح والذخيرة. لكن المنطق الطبيعي يقول بغير ذلك. وبناء على منطق الاشياء المستنبط من الواقع المرئي فان معاقبة الدولة الاسرائيلية بقطع العلاقات الدبلوماسية القائمة واعادة فرض نظام المقاطعة عليها يمثل ادنى الحد الادنى لاي تحرك جماعي عربي في مسار الصراع العربي الاسرائيلي علما بأن الحد الاعلى هو اعلان الحرب الشاملة فاذا كانت اغلبية الحكومات العربية تتهيب ابتداء الاقدام على قطع الروابط الدبلوماسية وتفعيل المقاطعة التجارية ـ وهذا موقف معلن رسميا ـ فكيف يجوز لنا ان نتصور ان «القرارات السرية» تنطوي على خطورة عظمى؟ أنا شخصيا يراودني ارتياب في وجود قرارات سرية اصلا، ولكن لنفترض ان هناك فعلا قرارات سرية وانها فعلا على درجة من الحسم والخطورة.. فلماذا تكون سرية؟ اطرح هذا السؤال وفي ذهني السياسات والممارسات التي تتبناها اسرائيل بتعاون الولايات المتحدة تجاه الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة وكفاحه من أجل تحرير ارضه على طريق الاستقلال الوطني فأتساءل ككل عربي هل تراعي اسرائيل والولايات المتحدة اي سرية او غموض فيما تنتهجان من سياسات وتمارسان من اجراءات ميدانية عملية؟ بصوت جريء ومرتفع يعلن ارييل شارون ان المقاومة الشعبية الفلسطينية ضرب من الارهاب وانه بالتالي عازم على تصفيتها ومن ثم يطبق هذه السياسة على الارض بشن حرب ضد الشعب الفلسطيني يتوخى فيها اساليب العقاب الجماعي والابادة. وبصوت مماثل في الجرأة تعلن واشنطن كل يوم على العالم أنها شريك الدولة اليهودية في حربها ضد الشعب الفلسطيني، ولاتعنى واشنطن اطلاقا باخفاء دعمها العسكري والاقتصادي والدبلوماسي للدولة الاسرائيلية. ولو افصح وزراء الخارجية العرب عن ذواتهم الحقيقية لقالوا ببساطة اننا لن نتخذ اجراءات عقابية ضد اسرائيل لاننا نخشى اغضاب الولايات المتحدة عوضا عن الحديث عن «قرارات سرية» اغلب الظن انه لا وجود لها.