تعد الأنباء التي تحدثت عن اعتزام جامعة الدول العربية الانطلاق قدما بخطط لحملة علاقات عامة واسعة النطاق لدعم الانتفاضة الفلسطينية تطورا يلقى اعظم ترحيب ويرجع هذا الى ان الاسرائيليين ومؤيديهم قد سلكوا طريقا خطيرا في غمار جهدهم الذي يبذلونه لايقاع الهزيمة بالفلسطينيين. والامر الاكثر خطورة من استخدام الاسرائيليين للعنف الكاسح او تدميرهم للاقتصاد الفلسطيني او تقسيمهم العضوي للضفة الغربية وقطاع غزة الى كانتونات محاصرة حتى الاختناق هو الحملة الدولية التي تقوم اسرائيل بشنها لتحطيم شرعية القيادة الفلسطينية وتشويه صورتها الانسانية مع الوصول بذلك امتدادا الى الشعب الفلسطيني. وقد اتسمت الحملة الاسرائيلية بالمنهاجية والقصد المتعمد، ومنذ انهيار قمة كامب ديفيد القى باللوم على كاهل الفلسطينيين وجرى الزعم بانهم المسئولون عن فشلها ومن المهم الاشادة الى ان الفلسطينيين لم يتم اتهامهم بأنهم اخطأوا في الحسابات التكتيكية فحسب، وانما جرى الزعم بأنهم اشرار وخبثاء الطوية في حقيقتهم، كما لم يجر اتهامهم بالتشدد في المساومة والسعي الى شروط افضل من الاسرائيليين، وانما بأنهم عاجزون عن قبول اي سلام مع اسرائيل وفق اي شروط. وبالغ الخطاب الذي يتبناه مؤيدو اسرائيل والمدافعون عنها في العداء للموقف الفلسطيني، وبحسب الصورة التي رسمتها اسرائيل فان الفلسطينيين رفضوا «عرض باراك بالغ الكرم» لانه في الحقيقة «لازال الفلسطينيون يسعون الى القضاء على الدولة اليهودية». وانطلاقا من هذا الاتهام الاولى يبرز هجوم اكثر غرابة واتساما بالطابع الشخصي على الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ومرارا وتكرارا وجه المتحدثون باسم اسرائيل ومؤيدوها الاتهامات الى عرفات، قائلين ان «عرفات امر باطلاق العنف ضد اسرائيل» و«عرفات ارسل مفجري القنابل لارهاب اسرائيل» و«عرفات علم الاطفال الفلسطينيين ان يكرهوا». وشعر الاسرائيليون ومؤيدوهم بالارتياح، بصورة متزايدة في غمار توجيههم لهجمات كلامية مخجلة ضد الزعيم الفلسطيني، ومع حدوث ذلك اصبحت الاتهامات اشد ضراوة بحيث انه غدا يوصف اليوم بأنه «قاتل» و«ليس افضل من بن لادن» و«كاذب»... الخ. وهذه الحملة التي يعتبر التشويه الشخصي لصورة الزعيم الفلسطيني قوامها وعمادها لها غرض سياسي، وهي اكمال نزع الطابع الشرعي عن السلطة الفلسطينية لتبرير تصفيتها وغالبا ماتكررت الهجمات بما يكفي لتحقيق رواجها، ولان الفلسطينيين لم يردوا على حملة اغتيال الشخصية المنهاجية هذه فان الخبث يحكم قبضته الآن ويشكل خطابا يوميا مقبولا وحينما يصغى المرء لمناقشات الكونجرس الامريكي اليوم فان عرفات لايبدو فقط «ليس افضل من بن لادن» وانما هو «عدو السلام». وهناك انشودة يرددها الاطفال مفادها ما معناه «ان العصي والاحجار قد تكسر عظامك لكن الشتائم لن تؤذيك ابدا». هذا صحيح ولكن في حدود وفي حقيقة الامر فانه اذا كانت الشتائم جارحة بمافيه الكفاية واذا جرى تكرارها بالقدر الكافي واذا صدقها عدد كاف من الناس، فانها ستوجد بيئة يمكن لشخص ما ان يستخدمها لتبرير «استخدام العصى والحجار لكسر عظامك». ومن المفارقة ان الاسرائيليين غالبا ما يطرحون هذا الامر على الكونجرس الامريكي ويتهمون الفلسطينيين «بالتحريض» وفي حقيقة الامر ان الاسرائيليين هم الذين انغمسوا في حملة هائلة من التحريض ضد الفلسطينيين وقاموا بمحاولة نزع الطابع الشرعي عن القيادة الفلسطينية ومضوا الى ابعد من ذلك بمحاولة نزع الطابع الانساني عنهم، ففي القاموس الاسرائيلي لايعتبر الفلسطينيون «قتلة» و«ارهابيين» و«كذابين» فحسب، وانما هم غدوا الآن «ثعابين» و«حيات ذات اجراس» و«كائنات لها ارواح اقل من انسانية». وباختصار فان الفلسطينيين في القاموس الاسرائيلي لم يعودوا «بشرا مثلنا» وبالتالي يمكن اقتراف اي شيء ضدهم. وبعد ان نجح الاسرائيليون في الصاق هذه الصور النمطية العنصرية فانهم يحصدون الآن ثمار حملتهم وبمقدورهم استخدام عنف رهيب ضد الفلسطينيين والافلات بجرائمهم لانه لا الكونجرس ولا الادارة الامريكية يشعران بأي ضغوط عامة عليهما لاتخاذ تحرك حاسم لوقف هذا العنف. هناك قول يرد على لسان احد الابطال الرئيسيين في مسرحية بيتر فايس الشهيرة «مارا ـ ساد» حيث يتحدث عن الكيفية التي ابلغ بها حكام ذلك العهد الشعب بالاكاذيب «وكرروها مرارا وتكرارا» ولما لم يكن لدى رعاياهم مصادر معلومات بديلة فان «الشعب صدق الاكاذيب وكررها مرارا وتكرارا». في اوائل الثمانينيات قام الباحث الامريكي البارز جيمس باول بعناية بتوثيق الكيفية التي قام بها اليمين الاسرائيلي تحت اشراف بنيامين نتانياهو بتنظيم حملة اعلامية في اواخر السبعينيات تستهدف ابراز الفلسطينيين باعتبارهم «ارهابيين» حيث قام القائمون على هذه الحملة بتجميع كتاب مقالات وسياسيين امريكيين وخططوا ونفذوا حملة منهاجية لتشويه الصورة الفلسطينية، وفي ضوء علمهم بان المجال مفتوح امام جهودهم حيث ان الفلسطينيين لن يتصدوا للرد عليهم فقد كللت حملتهم بالنجاح ولم تفلح الصور النمطية السلبية التي ابرزوها في الالتصاق بالواقع الفلسطيني ولكنها احدثت ضررا اعظم حيث مهدت الارضية الدعائية للغزو الاسرائيلي المدمر للبنان في 1982 وللجهد الذي بذل في اواسط الثمانينيات بجعل منظمة التحرير الفلسطينية منظمة غير شرعية في الولايات المتحدة. في غضون هذا كله، لم يدرك الفلسطينيون طبيعة هذه الحملة وبالتالي لم يقوموا بشن حملة مضادة، واعتمدوا بدلا من ذلك على النداءات السياسية الجوفاء الموجهة الى «الشرعية الدولية» وما الى ذلك وتمثل مالم يدركوه في ان المعركة السياسية والاعلامية التي يجرى شنها لاتدور حول تحديد «العدل» وانما حول تحديد الفلسطينيين كشعب. تلك كانت المعركة التي خسرها الفلسطينيون في السبعينيات والثمانينيات، وهي المعركة التي يخسرونها الآن وما ادركه الاسرائيليون هو ان اذا كان بمقدورك النجاح في نزع الطابع الشرعي والانساني عن خصمك فان هذا الخصم ليس بمقدوره ان يطالب بالعدل. ولايضاح مدى الفعالية التي اتسمت بها الحملة الاسرائيلية لا يحتاج المرء الا الى القاء نظرة على نتائج عمليات استطلاع الرأي الحديثة التي توضح انه على الرغم من ان الفلسطينيين جرى استهدافهم وتعريضهم لعنف رهيب وانتهكت حقوقهم على امتداد الاحد عشر شهرا الماضية الا ان الامريكيين لايزالون يتعاطفون بنسبة ثلاثة الى واحد مع الاسرائيليين وخلال هذا الوقت نفسه زادت شعبية رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون قليلا، بينما تبلغ نتائج استطلاعات الرأي غير المواتية بالنسبة للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات اربعة امثال نظيرتها المواتية. والاسرائيليون يعرفون ان حملتهم التي تستهدف نزع الشرعية عن الزعيم الفلسطيني قد كللت بالنجاح وهذا هو السر في انهم ومؤيديهم من الامريكيين يقال لهم ان عليهم ادراج اسمه في الهجمات الموجهة ضد الفلسطينيين وهذا يذكر المرء بالاسلوب الذي لجأ اليه الديمقراطيون في التسعينيات عندما ألصقوا اسم الزعيم الجمهوري الذي لايحظى بالشعبية نيوت جينجريتش بكل هجماتهم على الحزب الجمهوري، وهكذا فان الاسرائيليين في قاموسهم السياسي الراهن «يتصدون لحرب عرفات» وهم يزعمون انهم ليس بمقدورهم «الوصول الى حل وسط مع عرفات» ويرفض مؤيدوهم في الكونجرس تقديم المساعدة لعرفات ويضغطون على الرئيس حتى لايلتقى بعرفات او حتى لا «يعطى الشرعية لعرفات». ان تصحيح هذا الوضع المحزن يقتضي جهدا هائلا وبوسع الجهد الذي ستقوم به الجامعة العربية ان يقدم مساهمة مهمة للغاية فالحاجة ماسة الى حملة تعريفية وتواصلية امريكية، وذلك لاعادة التأكيد على انسانية الشعب الفلسطيني، ولكي يكلل هذا الجهد بالنجاح فانه يتعين ان يكون شاملا ومنهاجيا ومتواصلا، وينبغي ان ينزع من جذوره السم الذي غرس في النقاش العام حول الفلسطينيين وان يعرف الشعب الامريكي بالشعب الفلسطيني الذي يجهله ويمكن لهذه الحملة ان تنجح، بل لابد لها حقا من ان تنجح لان نتائج الاخفاق او عدم القيام بأي شيء على الاطلاق يمكن ان تترك الفلسطينيين معرضين للمزيد من التدمير الذي يمكن ان يحيق بهم. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي