هل صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تملك سياسة محددة للتعامل مع قضايا المنطقة وفي مقدمتها الصراع العربي ـ الإسرائيلي؟ وهل صحيح أن الإدارة الأمريكية منذ مجيء الرئيس بوش الابن إلى الحكم مازالت تدرس الموقف وتبحث عن استراتيجية جديدة تحقق المصالح الأمريكية وتعيد الهدوء وتبني السلام في المنطقة؟ وهل صحيح أن أركان هذه الإدارة مازالوا مختلفين حول هذه السياسات، وأن هذا ينعكس في هذا الغياب الكامل والشلل المميت الذي تعاني منه الدبلوماسية الأمريكية بينما المنطقة كلها على وشك الانفجار بفعل العدوان الهمجي الذي تشنه حكومة مجرمي الحرب في إسرائيل على الشعب الفلسطيني والتهديدات التي توجهها للدول العربية المجاورة؟ أولا: ليس من المنطقي أن تكون الدولة الأعظم في عالمنا اليوم بلا سياسة في أية منطقة في العالم.. فما بالك إذا كانت هذه المنطقة في أهمية الشرق الأوسط الذي يمثل لأمريكا مصلحة مباشرة وحيوية، وحيث مستودع البترول الذي يضم الاحتياطي الأكبر في العالم، وحيث تتواجه الأساطيل الأمريكية في مياه الخليج ـ والقواعد الأمريكية في أنحاء المنطقة، وحيث السوق الواسعة للمنتجات الأمريكية والصفقات الكبيرة للسلاح الأمريكي، وحيث توجد إسرائيل بكل ما تمتلك من أهمية لصانع القرار الأمريكي. فهل يمكن أن تكون منطقة بهذه الأهمية الاستراتيجية لأمريكا وللعالم كله خارج نطاق اهتمام الإدارة الأمريكية؟ وهل يمكن أن نصدق أن هذه الإدارة مازالت تبحث عن سبل التعامل مع مشاكل المنطقة وقضاياها؟ هذا أمر بعيد الاحتمال من كل الوجوه. ثانيا: نحن نتحدث عن القوة الأعظم في هذا العالم وليس عن دولة من العالم الثالث تنقلب أمورها رأسا على عقب مع كل حاكم جديد ـ نحن ـ في الولايات المتحدة ـ مع دولة تحكمها مؤسسات وتحركها مصالح وطنيه.. نعم للحكام دور في ترتيب الأولويات وإقرار السياسات، ولكنه دور محكوم بمؤسسات الدولة وأجهزتها، وباستراتيجية عليا لا تتأثر كثيرا بالأشخاص بل بالمصالح الأمريكية، وبدراسات تعدها مراكز بحث تتوافر لها كل الإمكانيات لكي تضع السيناريوهات المختلفة للتعامل مع كل مشاكل العالم وتوصي بأفضلها (بالنسبة لأمريكا بالطبع ) وتضع الخبرة الأكاديمية في خدمة صانع القرار حتى يتخذ قراره في ضوء أكبر قدر من المعلومات ومن قراءة الماضي والحاضر والمستقبل. ثالثا: في الشرق الأوسط بالذات تبدو المصالح الأمريكية ثابتة منذ أكثر من نصف قرن وقد حددتها الإدارات المختلفة في واشنطن في عاملين أساسيين هما: البترول وإسرائيل. فالبترول العربي ينبغي أن يصل إلى أمريكا وحلفائها دون تهديد وبالأسعار المناسبة، وإسرائيل هي جزء من أمن أمريكا وينبغي أن تكون الأقوى من العرب مجتمعين (وهل اجتمعوا يوما؟!) وأن تتفوق عسكريا واقتصاديا وتتسلح نوويا وتكون ركيزة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة لتؤدي دورها في استنزاف العرب وإرهابهم وتهيئة المناخ المناسب للسيطرة الأمريكية الكاملة على المنطقة. وعلى مدى نصف قرن مضى واجهت أمريكا تحديات كبيرة في المنطقة ولكنها لم تتخل يوما عن أهدافها، ولم تتخل عن استراتيجيتها، وإن كانت قد غيرت من التكتيكات التي تنفذ بها هذه السياسة. واجهت أمريكا تحدي القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر، واستخدمت ضده كل أسلحتها.. من الحصار الاقتصادي إلى المؤامرات الداخلية إلى العدوان العسكري ـ عن طريق إسرائيل ـ إلى أن رحل عبد الناصر بعد أن تلقى ضربة 67 القاصمة، ومع ذلك لم يستسلم بل قاوم ونفذ إرادة الجماهير العربية الرافضة للهزيمة وبنى جيش المليون مقاتل الذي خاض حرب الاستنزاف ثم تمكن من العبور في 73 وإلحاق الهزيمة العسكرية الأولى لإسرائيل المدعومة أمريكيا، وبعدها سارت الأمور مسارا آخر. وواجهت أمريكا تحدي امتداد نفوذ الاتحاد السوفييتي السابق في المنطقة مع التهاب الحرب الباردة معه. وقاتلت أمريكا بضراوة دفاعا عن مصالحها، وانتهى الأمر بانهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد أمريكا بالنفوذ في المنطقة وفي العالم كله. وواجهت أمريكا تحدي تنامي القوة العربية العسكرية بعد خروج العراق منتصرا من حرب الخليج الأولى، وباستعادة العالم العربي لأحلام بناء القوة الاقتصادية المشتركة والتعاون السياسي الفعال. ولم تسكت أمريكا، وكانت حرب الخليج الثانية التي أثمرت تدمير القوة العسكرية العراقية وإبقاء الخليج تحت السيطرة الأمريكية، وعشر سنوات ـ حتى الآن ـ من الحصار والتجويع لشعب العراق.. والابتزاز والتخويف لشعوب الخليج. مع مجيء الرئيس بوش الابن كانت هناك آمال أو أوهام عربية بموقف أكثر إنصافا للعرب، باعتبار أن الحزب الجمهوري الذي جاء منه الرئيس الأمريكي كان النفوذ الصهيوني فيه على الدوام أقل منه في الحزب الديمقراطي، وباعتبار أن معظم اليهود الأمريكيين صوتوا ضد بوش، وباعتبار أن الحزب الجمهوري أكثر التصاقا بدوائر البترول الأمريكية التي ترتبط بعلاقات ودية مع أطراف عربية، وكان نائب الرئيس ديك تشيني هو المثل البارز على هذه العلاقات. ولذلك لم يصدق العرب ـ في البداية ـ إعلان الإدارة الجديدة أنها لن تلتزم بشيء مما جرى في محادثات كامب ديفيد الثانية بين عرفات وباراك وبإشراف الرئيس الأمريكي السابق كلينتون.. ولم يصدق العرب أيضا ما أعلنته الإدارة الجديدة من أن أولوياتها في المنطقة لن تكون في تحقيق التسوية بين العرب وإسرائيل بل إنها تتركز على العراق وتشديد الحصار عليه ومنع أية جهود للمصالحة العربية التي كانت قد بدأت أطراف عربية عديدة في العمل لإنجازها. ومع مجيء شارون لحكم إسرائيل تغيرت الصورة ولم تتغير الاستراتيجية الأمريكية وبعد فترة قصيرة من الترقب، (اكتشفت) الإدارة الأمريكية الجديدة أن شارون يمكن أن يكون مفيدا في تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة في هذه المرحلة فكان أن أطلقت يده في حرب الإبادة التي يشنها على الشعب الفلسطيني وتكفلت هي بباقي المهمة.. فمن ناحية هناك الضغط على العواصم العربية حتى لا تتخذ مواقف متشددة تجاه العدوان الوحشي لعصابة شارون والتي تحكم إسرائيل ولحثها على ضبط حركة الشارع العربي حتى لا تفاجأ بتنامي المعارضة وخروجها عن السيطرة. ومن ناحية أخرى كانت هناك الضغوط على أوروبا حتى لا تتخذ مواقف مؤيده للحق الفلسطيني ومعارضة للوحشية الصهيونية، ومن ناحية ثالثة كان الدعم بكل صورة لحكومة جنرالات الحرب في إسرائيل.. فشارون ـ عند المسئولين الأمريكيين ـ رجل معتدل يمارس سياسة ضبط النفس ويستحق الشكر عليها ! وعرفات هو الذي يشجع الإرهاب وهو المسئول عما يحدث لشعبه ! وأمريكا ليست مستعدة للتدخل ووقف المذبحة الإسرائيلية إلا إذا توقفت الانتفاضة وألقى الفلسطينيون السلاح وأدركوا أن غاية المنى هي أن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه في 28 سبتمبر الماضي.. أي قبل انتفاضة الاقصى حيث كانوا يعيشون في (نعيم !!) الاحتلال الإسرائيلي. ومع ذلك فمازال الكثيرون يقولون إن الولايات المتحدة مازالت تبحث عن سياسة تتعامل بها مع الموقف الملتهب، وأن هذا هو سر الغياب الأمريكي عن أحداث المنطقة والحقيقة تقول إن السياسة الأمريكية موجودة وفاعلة، وأن الغياب الأمريكي مقصود ومتعمد. السياسة الأمريكية ترفض التدخل لأن الوقت غير مناسب كما قالوا للوفد المصري أخيرا. أما الوقت المناسب فسيأتي حين يركع الفلسطينيين ويهرع العرب إلى واشنطن ليس فقط لإنقاذ الفلسطينيين، ولكن أيضا لإنقاذ الأنظمة العربية من عجزها ومن غضب الجماهير على المهانة التي تلقاها على يد حكومة مجرمي الحرب الإسرائيليين. وساعتها ستعرض واشنطن شروطها على العرب، وستطالبهم بالموافقة على تشديد الحصار على العراق حتى توافق على التدخل لإنقاذ الموقف في فلسطين، ثم ستطالب بأن يرضخ الجميع لمخططاتها لمستقبل المنطقة بتبنى المخطط الإسرائيلي لحل مرحلي للقضية الفلسطينية قد يستمر لعشرات السنين ولا يأتي إلا بدويلة لا تملك من أمرها شيئا، ولا ترتبط بأمتها العربية، وستطالب واشنطن بتعاون أمني شامل في المنطقة تحت رعاية وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لتحقيق الأمن المطلوب وضرب أية عناصر تقاوم هذه المخططات، وستطالب بإقرار عربي بأن تكون إسرائيل هي القوة النووية (الوحيدة ) في المنطقة، وبأن يتم إحياء الشرق أوسطية لتحقيق الهيمنة الاقتصادية الإسرائيلية. السياسة الأمريكية موجودة وفاعلة من خلال ما تفعله حكومة شارون، ومن خلال الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي والاعلامي الذي توفره واشنطن لحرب الإبادة التي يشنها النازيون الإسرائيليون على الشعب الفلسطيني. والغياب الأمريكي عن جهود التسوية مقصود.. بدليل أن هذا الغياب وعدم الاهتمام بإيقاف المذبحة الإسرائيلية يتحول إلى نشاط محموم إذا انعقدت الإرادة العربية على عقد قمة شاملة أو محدودة.. ساعتها يتحرك السفراء وينشط المبعوثون، ويترك الرئيس بوش صيد السمك لكي يتحدث مع القادة العرب، ويبدأ إطلاق التهديدات من ناحية والتطمينات من ناحية أخرى حتى لا يعبر القادة العرب الخط الأحمر ويتخذوا ما هو مطلوب من القرارات.. والنتيجة أن يبقى الموقف محلك سر.. وتستمر حرب الإبادة الإسرائيلية، ويستمر الدعم الأمريكي للعدوان على العرب، وتبقى الأوراق العربية معطلة لأن الإرادة السياسية غائبة، ويستمر الترويج لأكذوبة أن أمريكا مازالت تبحث عن سياسة لها في المنطقة، وعندما تجدها سوف تنصلح الأحوال ويعود الهدوء وتتوقف المذبحة الإسرائيلية! وقد سافر الوفد المصري بقيادة الدكتور أسامة الباز إلى واشنطن والتقى بكبار المسئولين الأمريكيين، وقدم تصورا كاملا للوضع الخطير في المنطقة.. والنتيجة أن الإدارة الأمريكية غير مستعدة للتدخل الآن، وأنها في نهاية سبتمبر المقبل قد تكون بلورت شيئا !! وإلى هذا الحين تستمر حرب الإبادة الإسرائيلية، ويستمر الدعم الأمريكي لها، ويستمر الضغط على العرب وإذلال الفلسطينيين والتلويح بالفيتو لمنع العالم من إدانة المذبحة. وستسافر وفود أخرى إلى أمريكا وغيرها من العواصم الغربية وفقا لقرارات وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير بالقاهرة والتحرك ـ على أية حال ـ مطلوب، على أن نعرف مسبقا حدوده ونتوقع نتائجه، فلا نبني الأوهام ولا نرجو المستحيل وإنما نتعامل مع الواقع بجدية ومسئولية. التحرك العربي مطلوب وفي كل الاتجاهات، ولكنه بهذه الطريقة لن يثمر شيئا.. فماذا سيفعل وفد من وزراء الخارجية والعالم كله يعلم أنهم عجزوا في اجتماعهم الأخير عن اتخاذ قرار بشأن مقاطعة إسرائيل أو الرد على الموقف الأمريكي المنحاز والمتواطئ. التحرك العربي مطلوب وعلى أعلى مستوى.. ولكن ليبلغ واشنطن والعواصم الغربية رسالة واضحة تتضمن قرارا تتخذه الدول العربية الفاعلة والمؤثرة ويقول بوضوح: إن الانتفاضة الفلسطينية مستمرة لا من أجل تطبيق قرارات ميتشيل ولا من أجل التفاوض حول تحقيق أمن إسرائيل، وإنما من أجل تطبيق قرارات الشرعية الدولية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكل الأراضي العربية المحتلة عام 67. إن أمريكا ـ بدعمها اللامحدود لإسرائيل ـ هي شريكة في المسئولية. وعليها أن تراجع موقفها، وإلا فإن الدول العربية ستكون مجبرة على اتخاذ الإجراءات الكفيلة باستعادة الحق العربي، وساعتها ستجد أمريكا أن اعتقادها بأن الدعم الشامل لإسرائيل لن يؤثر في مصالحها في الوطن العربي هو مجرد وهم كبير. بمثل هذه الرسالة يمكن أن يذهب الوفد العربي إلى واشنطن، وسيجد هناك من يسمعه، ولن يقول له المسئولون الأمريكيون إنهم مازالوا يبحثون عن سياسة أو ينتظرون الوقت المناسب أو يؤجلون بحث القضية حتى ينتهي الرئيس الأمريكي من صيد السمك! ـ نائب رئيس تحرير جريدة «أخبار اليوم» المصرية