إذا كان لكل عصر مصطلحاته فإن اسماء البشر تتبدل ايضا من عصر إلى عصر لتشتهر اسماء وتنزوي بعيدا اسماء اخرى لتصبح بعد حين في قوائم النسيان أو لوائح الأسماء المهجورة. ورغم ما تحمله الأسماء البشرية من دلالات ومعان إلا ان بعضا منها يكون نابعا عن مواقف أو أحداث صادفت لحظات الميلاد، ونلاحظ في أيامنا الحاضرة ان الابوين يهتمان كثيرا باختيار الاسم لمولودهما القادم بما يتوافق مع ايقاع العصر، وينسجم مع ما سوف يعايشه الصغير ويتناغم مع كل ما يحيط به، وقد يستغرق منهما ذلك وقتا قد يمتد لاشهر قبل الميلاد وايام بعده حيث يتم الاتفاق بين الطرفين. بينما كانت عملية تسمية المولود في سالف الازمان لا تستهلك من الوقت أكثر من دقائق لانه إن لم يكن الوالدان قد قررا اطلاق اسم احد الابوين على الوليد او الوليدة وهو عرف متداول بين الناس فإن اطلاق التسمية كان يتم بشكل تلقائي ووليد اللحظة ـ ليكون معبرا عن الحالة العامة لأهل المولود خصوصا أبويه. ومن أمثلة هذه التسميات التلقائية ان احدهم صادفه نساف اثناء مروره بالشارع بينما كان متوجها الى منزله بعد ان علم بولادة ابنه فسماه «نسافا» اي الشاحنة الكبيرة التي التقاها اثناء قدومه للبيت رغم الفارق الواضح بين الطفل والشاحنة، هذا الطفل الذي كبر وادرك معنى النساف مبكرا لما لاحظه من الاخرين وما كان يردده اقرانه من تعليقات كلما لمحوه فيطلبون فسح الطريق أمام النساف لئلا يصدمهم ويحدث ما لا يحمد عقباه، وقد تركت مشاعر الآخرين تجاه اسمه احساسا بقوة غريبة وأوجد الاسم لديه نوعا من الغرور رغم هدوء طبعه وطيبة قلبه، إلا أن للاسم وما كان يسمعه من رفاقه دوراً في تفوقه، وفي هذه النقطة ـ تحديدا ـ كان نسافا بحق لأنه اكتسح بتفوقه وكأن اسمه قد قاده إلى ذلك. وعندما تكون الولادة سهلة وميسرة فإن الاسم الأقرب للمولود يكون تلقائيا أحد مشتقات اليسر، فإن كان ذكرا اطلقوا عليه اسم ياسر وإن كانت أنثى أسموها يسرى. والعكس صحيح طبعا في حالات الولادة الصعبة فمن كانت أمه تتعسر في ولادته قد يطلق عليه ابوه اسم متعب للذكر او تعيبة ان كانت بنتاً. وقد يلجأ الاهل الى تسمية المولود عذاب او عذيبة للأنثى اذا تدهورت صحة الأم اثناء الولادة واحيانا يعمدون الى اطلاق اسم امل او هبة على الانثى او عطية إن كان ذكرا ليكون ذلك تعبيراً عن إيمان صادق بأن الله عز وجل هو المانح الواهب حتى وإن اصاب الأم مكروه اثناء الوضع. وعندما كان المولود نفسه يتعرض للخطر او يصل الى حافة الموت أو يخرج الى الحياة هزيلا ضعيفا ثم ينجو من الهلاك ثم يعافى ويشتد عوده فإن الاسرة تدعوه ناجيا او ناجية ليصبح اسما له او لها وهو اسم على مسمى كما نرى. وترتبط بعض التسميات بالمواسم وفصول السنة وايام الاسبوع بل حتى بأوقات النهار مثل ربيع وسبت وخميس وجمعة وصبيح وصبحة وضحى وليالي وسبع الظلام الذي كانت ولادته في ليلة ظلماء افتقد فيها البدر. وهناك ولادات ترتبط اسماؤها بحالة الطقس فالمولود الذي يصاحب ولادته هطول المطر قد يسمى غيثا او مطرا وقد يسمى رعدا والمولودة التي تأتي في موسم الانبات والخضرة الذي يعقب المطر فقد تطلق عليها اسرته اسم عشبة. ويصدف احيانا ان يتواجد زوج من الحمام في عشهما يتناجيان ويطلقان هديلا جميلا على نافذة الغرفة التي تشهد مخاض المولود عندها تسمى المولودة حمامة وهناك الكثير من الأسر اطلقت على ابنائها اسماء طيور وحيوانات أليفة او متوحشة بل وحتى الحشرات فنجد اطفالا وكبارا يحملون اسماء.. يمامة واسد ويعفور وظبية ويعروف وشاهين وصقر وغزال وغزلان ونمر وغيرها كثير. كما ان الناس كانوا يسمون اسماءهم بأسماء الصخور والرمال والاشجار والنبات.. ونأتي إلى هؤلاء الذين يخشون الحسد وهم موجودون في كل عصر وزمن فنجد انهم يطلقون اسماء غريبة وغير مرغوبة على مواليدهم من التوائم درءاً للعين واعتقادا منهم ان الاسم القبيح يبعد عنهم شر الحاسدين فنفاجأ بأطفال غاية في الوسامة يحملون اسماء قبيحة وفجة. ومن الاسماء القديمة ما ارتبط بالحالة العامة للأسرة كاسم «لطيفة» تعبيراً عن حالة السعادة التي كان يعيشها متلقي نبأ الولادة سواء كان الأب أو الجد فإن جاءه أحدهم في عمله او مجلسه وأسر إليه بنبأ الولادة فسرعان ما يصيح فرحا مرددا بشرى.. بشرى إن كانت بنتا وبشار.. بشار إن كان ولداً فيأتي إطلاق الاسم على المولود تلقائيا. وقد تسمى المولودة سعيدة إن جاءت في أيام الفرح والسعد وعيدة أو عايدة إن كانت ولادتها صباح العيد وقد تلجأ امرأة عرفت البؤس والشقاء الى تسمية مولودها بأسماء على عكس واقعها أملا في حياة افضل وغد أحسن. وعلى نفس الشاكلة كان الأهل يطلقون على وليدة يميل لونها إلى السمرة عند الولادة اسم «خضرة» ثم تكبر وتشب يكون لون بشرتها ناصع البياض ولا تحمل من اسمها شيئا. ولا تخلو المسميات من طرائف مثل حكاية الرجل الذي اطلق عليه اهله اسم «الصغير» لضآلة حجمه، لكن الاسم استمر بالطبع عندما كبر، رغم انه اصبح ضخم الجثة عريض المنكبين او «المنكعين» على رأي الفنان الكوميدي عادل امام في مسرحية «شاهد ما شافش حاجة» وقد تسمى مولدة باسم «رفيعة» وتكون ذات حجم كبير وهي شابة فتصبح اسما على غير مسمى ـ ومثلها قد نصادف من تحمل اسم «كريمة» وتكون بينها وبين الكرم عداوة لا حدود لها، فهي إلى البخيلة اقرب. وعلى فكرة فليس نساف فقط هو الذي يحمل اسمه رغم انفه ـ بل نحن جميعا نحمل اسماءنا رغما عنا ـ فلم نكن ندري عن الحياة شيئا عندما استقبلنا في لحظة الميلاد.