خلال الاسبوع الماضي كانت الفضائيات الغربية العالمية بما في ذلك «بي بي سي» و«سي ان ان» تتبارى في تغطية حدث افريقي يتعلق باعتقال رئيس تحرير صحيفة في زمبابوي واغلاق الصحيفة بأمر من رئيس الجمهورية روبرت موجابي لأن الصحيفة انتقدت اجراءات رئاسية تتعلق بالأراضي الزراعية. ومن خلال تقارير مصورة ومقابلات مطولة برع مراسلو الفضائيات الغربية في اعطاء انطباع قوي مفاده ان موجابي رئيس لا يطيق النقد في الصحافة الوطنية. ومع تكرار التغطية على هذا المنوال التفصيلي أغفل المراسلون ذكر واحدة من أهم الحقائق المفتاحية التي اشتمل عليها الحدث.. وهي ان رئيس التحرير المشار اليه هو من أقلية البيض المقيمين في زمبابوي. ولا يمكن ان يكون هذا الاغفال الا متعمدا. لماذا؟ ببساطة لأن الأقلية البيضاء في ذلك البلد الافريقي ليسوا طرفا محايدا في الأزمة الداخلية التي ظلت متفاعلة في زمبابوي لمدى الشهور العديدة الاخيرة. فالأزمة تتعلق أساسا بقرار كبير صادر عن الرئيس موجابي يقضي بنزع أراض زراعية من كبار المزارعين البيض لردها الى المواطنين الأصليين الافارقة الذين أخذت هذه الأراضي عنوة من أسلافهم في القرن التاسع عشر. ان التغطية التلفزيونية الغربية لحادثة رئيس تحرير الصحيفة وصحيفته تعمدت التعتيم على هويته كأحد البيض من أجل تثبيت انطباع في أذهان المشاهدين حول العالم بأن هذا الصحفي أفريقي أصلي.. وبالتالي تتكون قناعة عامة بأن الرئيس موجابي دكتاتور مولع بخرق حقوق الانسان لا انه بطل قومي يريد تحرير الاراضي الزراعية في بلاده من مغتصبيها لصالح سواد المواطنين الأصليين. هكذا تمارس وسائل الاعلام الغربية اسلوب اغتيال الشخصية ازاء اي زعيم وطني في العالم الثالث يمارس سياسة وطنية يمكن ان تضر بمصالح الغرب أو بأقليات محلية محسوبة على الغرب وترتبط مصالحها مع مؤسساته العالمية. في الماضي مورس اسلوب اغتيال الشخصية ضد الزعيم العربي جمال عبدالناصر بمجرد أن برز في منتصف خمسينيات القرن المنصرم كقائد يتبنى سياسات استقلالية نابعة من اعتبارات مصالح شعبه وتوجهات وآمال أمته. لقد خرق عبدالناصر أحد المحظورات الغربية عندما عمد في عام 1955 الى كسر الاحتكار الغربي لسوق السلاح في العالم العربي وتوجه الى المعسكر السوفييتي وعقد صفقة سلاحية مع تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية، وخرق محظورا غربيا اعظم عندما اصدر في العام التالي قرار تأميم قناة السويس. منذ ذلك الحين والى ان انقضى عهده برحيله شخصيا عام 1970، ظل الاعلام الغربي يقدم شخص عبدالناصر الى العالم كزعيم «مخرب» و«ارهابي» و«دكتاتور مجنون». وفي الماضي والحاضر فان الصورة الشائهة المصطنعة التي ظل الاعلام الغربي يطرحها دون كلل لجزيرة كوبا، يقصد منها اغتيال شخصية الزعيم فيديل كاسترو لأنه بتوجهه الاستقلالي الوطني يمثل نموذجا فريدا لشعوب امريكا الجنوبية يمكن ان يحتذى في التحرر من السيطرة الأمريكية. واذا كان الاعلام الغربي يستخدم اسلوب «الحذف» في تشويهه للصورة العالمية للزعيم الافريقي موجابي فان بعض القادة السياسيين في الدول الرأسمالية الكبرى يستخدمون اسلوبا آخر اكثر غرابة. فقد دعا نائب برلماني في استراليا الى منع الرئيس موجابي من حضور اجتماع زعماء مجموعة «الكومنولث» المقرر عقده في استراليا في اكتوبر. والحجة التي يستند اليها هذا السياسي هي ان موجابي رئيس يمارس سياسة «التمييز العنصري» بانتزاعه الاراضي من أقلية البيض وتمليكها للمزارعين الافارقة من أغلبية المواطنين السود في بلاده. ومن يعش ير!