بعيداً عن التلذذ بالآلام واستذكار ما قد مضى من عاتيات الدهر الغابر، تبقى ذكرى حرق المسجد الأقصى شريطاً سينمائياً مثقلاً بالغبن والمأساة، تطل علينا في 21 أغسطس من كل عام منذ الاعتداء الكبير في 1969، لتذكرنا ليس بذاك المتطرف المسيحي من الاتجاه البروتستانتي المتصهين «شهود يهوه»، ذي الأصل الأسترالي، «مايكل روهان»، بقدر ما تحمله هذه المناسبة من حزن وألم، لتذكرنا على الدوام بحجم الكارثة التي تعيشها مدينة القدس، منذ ثلاثة وخمسين عاماً بشقيها الغربي والشرقي. ولعل هذه الذكرى بكل ما تحمله من دلالات فاقت كل التوقعات والتكهنات، بحيث لم تقف سلطات الاحتلال عند روهان المعتوه حسب زعمها، لتطلق سراحه بعد ثلاثة أشهر من توقيفه، بل زادت على ذلك أنها عرقلت وصول سيارات الإطفاء لإسكات ألسنة اللهب الصهيونية التي تحمل حقد تاريخ مزور، يعود إلى ماض خرافي لا يرقى رغم خرافته، حتى إلى ما يسمى تجاوزاً بفلم كرتوني أو أقل سبيلا. لكن الأكثر فجيعة أن من وصفته اسرائيل في العام 69 بأنه مجنون ومنعت عنه المحاكمة والمثول أمام القضاء، يشغل اليوم مراكز قيادية داخل مؤسسات الدولة التي أعيد إليها، هذا إذا جاز لنا تسميتها أو نعتها كذلك، ليبقى وعن بعد وعبر المؤسسات الدينية الغربية المتصهينة، التي يطلق عليها اسم المسيحية - الصهيونية، ومن خلال التوجيه عن بعد، ليعيث في الأرض الفلسطينية فساداً وليبقى يذكرنا بأن النية بالمساس بالمسجد كاخر الحصون الإسلامية في فلسطين، ولا تزال هدفاً تتوق له الأفئدة الصهيونية، بشقيها المسيحي واليهودي، قبل العقول. هدف «قومي» بعد أن تم الاستيلاء على كل الأوقاف الإسلامية في القدس منذ لحظة وصول براثن قوات الاحتلال إليها، بعد أن كانت ملكية اليهود العقارية في تلك البقعة 6.6% واصلت بهمة دعم الانتداب البريطاني إلى ما مساحته 84.13% من القدس بحدودها البلدية الانتدابية، وهي ما صارت تعرف بالقدس الغربية. بحيث أن ما تبقى، والشيء بالشيء يذكر، في أيدي العرب، أي ما سمي زوراً وبهتاناً بالقدس الشرقية، لاتتعدى نسبته 11.48% من القدس بحدودها الانتدابية كما أسلفنا، وبقيت منطقة المسجد الحرام تشكل ما نسبته 4.39% من المجموع العام، في ذات الجغرافيا المرسومة للمدينة. ومنذ اللحظة الأولى لاستكمال اسرائيل احتلالها للقدس الشرقية، في 5 يونيو 1967، ما استكانت لحظة بديمومة الإعلان المتواصل عن نيتها أو عزمها والأمر سيان، الإبقاء على القدس بشطريها الشرقي والغربي، موحدة باعتبارها «العاصمة الأبدية» لإسرائيل، ولم يقف الأمر عند هذه الحدود من التعديات الهادفة إلى طمس المعالم العربية والإسلامية لهذه المدينة، بل عملت اسرائيل بقياداتها يمينية كانت أو يسارية حسب التعريفات المصطنعة، لتهويد المدينة وافراغها من سكانها الأصليين. فقد حاول دافيد بن جوريون بالشراكة مع جولدا مائير، تقديم كل إمكاناتهما منذ اليوم الأول لاستكمال احتلال اسرائيل للمدينة، وقد تمثل ذلك بمنح تيدي كوليك، وموشيه دايان، وبنحاس سابير، مباركتهما لهم بهدف استقدام يهود إلى القدس الشرقية بأي ثمن بقوله: ينبغي توطين عشرات الآلاف من اليهود خلال فترة زمنية قصيرة.. وسيوافق اليهود على الاستيطان في القدس الشرقية، حتى في أكواخ يجب عدم الانتظار لبناء أحياء منظمة الجوهر أن يكون هناك يهود، فيما عبر عن ذلك الكاتب الإسرائيلي نداف شراغائي قائلاً: لقد فهم زعماء المدينة الاستيطان في القدس الشرقية على أنه العودة الحقيقية إلى صهيون، وكان ذلك الفهم سياسياً بصورة علنية. وقد تلخصت توراة السياسة الإسرائيلية في المناطق التي ضمت إلى القدس في بند واحد تقريباً من قرار اللجنة الوزارية لشئون القدس، والذي اقر «هدف قومي» تحديد النسبة بين السكان العرب في المدينة، إذ إن معدل ازدياد عددهم ظل طوال أعوام، أعلى منه لدى السكان اليهود، ومع ذلك فقد بنيت لهم وحدات سكنية أقل كثيراً مما بني لليهود. وهنا ما وددت استخلاصه من هذه النصوص، لأصل إلى الحقيقة المرة التي تقول إن الجرأة التي امتلكها ذاك السفاح مايكل روهان، لحرق المسجد الأقصى، لم تكن اندفاعة عاطفية بخلفيات اعتقادية محضة، ناتجة عن قناعات فردية وحسب، بل هي خطة مدبرة مع كل الأجهزة الصهيونية بكل أصنافها ومسمياتها، استمدت شرعيتها من كل المؤسسات والهيئات الصهيونية العالمية حيثما تواجدت في بلدان العالم الغربي. وأن هذه الجريمة كانت الحلقة، أو المفصل، رغم ما سبقها من ضم ومصادرة وهدم لحي المغاربة المحاذي لحائط البراق والذي كان يسكنه أكثر من خمسمئة فلسطيني، وحي الشرفا أو الشرفاء، لانطلاقة استيطانية جديدة مختلفة كل الاختلاف عما سبقها، ومقدمة لطرح جملة من المشاريع، بعد أن تبين مدى ردات الفعل العاطفية العربية والإسلامية، أي أنها مجساً لمدى المواقف وحجمها وأبعادها، ليبادر بعدها حزب العمل لقطف ثمار حريق المسجد. جرائم متصلة ففي بداية السبعينات، صودر نحو 17 ألف دونم 85% منها تقريباً من الأراضي التي يمتلكها العرب، أقيمت عليها مستعمرات راموت، ونوفي يعكوف، وراموت إشكول، وسنهدريا الموسعة، وغفعات همبتير، هغفعا هتسرفاتيت، التلة الفرنسية، وغيلو، وأرمون هنتسيف « قصر المندوب»، وبعد ذلك بعشرة أعوام، وانطلاقاً من مخاوف دق الإسفين الفلسطيني بين مستعمرتي يعكوف وهغفعا هتسرفاتيت، صودر في المنطقة نحو 4500 دونم، أقيمت عليها بسغات زائيف، الحي اليهودي الجديد الأكبر من القدس الشرقية نفسها، والمحاذي لبيت حنينا وشعفاط. وكانت المصادرة الأخيرة 1850 دونماً إضافياً، قد نفذت في منطقة هارحوما جبل أبو غنيم في نهاية سنة 1991، من قبل حكومة شامير، دون أن يتوقف الغول الاستيطاني لحظة واحدة عن محاولاته الجهنمية، فقد جرت المحاولة الأخيرة سنة 1995، عندما حاولت حكومة رابين مصادرة ما يقارب 500 دونم في منطقة راموت وبت صفافا. وقد أدت ردات الفعل العنيفة على ذلك التصرف العدواني المكشوف، من قبل بعض دول العالم والدول العربية، والفلسطينيين إلى تأجيل هذا القرار وإبطاله عملياً، أو إذا شئت تأجيله حتى تحين الفرصة المناسبة. ولعل جملة هذه الإجراءات دفعت بالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لهدم المزيد من المساكن المقدسية، وتدمير أسواقها العربية، وفرض الرسوم والاتاوات الباهظة على أبنائها من الفلسطينيين بهدف ترحيلهم أو على أقل تقدير تقليل أعدادهم ما أمكنهم ذلك. ناهيك عن مشاريع الحفريات المخيفة التي، لم تتوقف لحظة بحثاً عن معالم يهودية، على الرغم من المعرفة الإسرائيلية المسبقة لكذب هذه الادعاءات أصلاً، والتي تهدف بمجملها إلى التمدد لباقي الأحياء المقدسية، بذريعة البحث عن الآثار المطمورة بالتراب منذ آلاف السنيين. أما ما يسمى بالنفق فحدث ولا حرج، فقد اعتبر افتتاح النفق في العام 1996 النقلة النوعية الثانية بعد الحريق، والتي تسعى اسرائيل من خلالها للتوصل عبر هذه الحفريات والأنفاق لزعزعة أركان الحرم القدس، بهدف هدمه والتخلص منه والى الأبد، لتصبح بعد ذلك المدينة المقدسة بلا قدسية تذكر سوى ما قد يتبقى من أطلال وحجارة هنا أو هناك. لكن أياً تكن النوايا الإسرائيلية المدعمة من الاتجاهات المسيحية المتصهينة، فلن يكتب لها النجاح، لان للقدس تجارب مريرة مع الغزاة منذ أن وعى التاريخ نفسه، واحتضنته هذه المدينة الحافظة التي لم تغرب أبناءها أو مريديها أو حتى من تتوق نفسه إليها، ولتبقى شاهدا أبدياً قادراً وعلى الدوام على التفريق بين، اتجاهي، الخيرين المدافعين عن الديار وحرمتها وقدسيتها، والأشرار والغازين الذين يحلمون بالدم والقتل والدمار والتخريب، حتى لحظة قيام الساعة، متذرعين بعودة المسيا المنتظر «المسيح المنتظر»، وبناء الهيكل اليهودي الثالث المزعوم. ـ كاتب فلسطيني