كنت منذ ان ادركت القراءة وتمعنت في اسرار اللغة، ومازلت شغوفا في معرفة ما يجود به العلم علينا، وقد كانت قصص الخيال العلمي تثيرني إلى حد اعادة قراءتها ثانية وثالثة ورابعة حتى اطلت الثقافة الاستهلاكية، وأبت اليابان ومن جاورها من نمور آسيا إلا وأن تجعلنا ندير رؤوسنا دهشة واستغرابا فماتت تلك الرغبة وتلاشى الشغف بعد ان تلاحقت المبتكرات واصبحنا ننام ونصحو على اشياء غريبة وعجيبة.. والمثير ان العرب منذ القدم تخاطبت شعرا بأسرار تلك الاختراعات وكأن هؤلاء الشعراء بحسهم قد ادركوا زمننا هذا واستشرفوا مخترعاته، فها هو احدهم يقول وكأنه يتحدث عن شبكة الانترنت التي جعلت العالم على اتساعه صغيرا جدا.. يقول: تموج بما يوحي اليها وما لها لسان ولا قلب ولا هي تسمع كأن ضمير القلب باح بسرها إليها إذا ما حركتها الاصابع ومن يقرأ ويتمعن ويدقق في ما قاله الشعراء يرى عجبا، فبعضهم كأنه عاش زمننا هذا وحضره ورأى بأم عينه اسرار المخترعات التي تتحفنا بها المدنية الحديثة، فها هو احدهم يسبق الجميع إلى زمن التلفزيون والاذاعة والاقمار الصناعية والبث المباشر قائلا: غنت سليمى بالحجاز فأطربت مع بعدها أهل العراق نشيدا ولو أنها رقصت بمصر فقد ترى في اصفهان لقدها تأويدا وذاك آخر يتواصل مع عالم السيارات وهو لم يرها أبدا في حياته لكن قد يبدو ان احلامه وخيالاته قد سبقت الجميع فوصف آلة غريبة وعجيبة في زمنه تحققت في زمننا نحن، ومن يسمع الوصف أو يقرأه يتصور رأسا السيارة «الكاراكتور» إذ يقول: خبروني أي شيء أوسع ما فيه فمه إذا علا صياحه قد لا يجد من يرحمه وشاعر آخر ربما تصور المصعد وتلك التقنية التي لم تخطر على بال أحد إلا في العصر الحديث وكأن ابيات شعره التي نقشها من زمن قديم قد جالت في زمننا ورأت المصعد وهو يحاكي التطور والمدنية، إذ تقول كلماته: ومحبوس بلا ذنب جناه له في السجن دار من رصاص إذا اطلقته وثب ارتفاعا يناغي الصوت من فرح الخلاص وحتى لا أكثر من اسقاطات الشعر العربي القديم على اختراعات وتقنيات الزمن الحالي اقف هنا واكتفي، خاصة ونحن نستقبل الألفية الثالثة بمؤتمرات وابحاث وخوف من حدوث كوارث بنهاية القرن الحالي.. ورغم ذلك نتواصل مع العلم وآفاقه وتطلعاته بحلول عام 2000 اذ سيشهد العالم تطورات تكنولوجية مثيرة بعد ان كشف بيل جيتس رئيس شركة مايكروسوفت عن تفصيلات تصميم احدث برنامج للنوافذ وهو برنامج تشغيل يدخل في اعمال غالبية الكمبيوترات الشخصية.. ويحتوي هذا البرنامج على برامج للتعرف على الصوت اذ يكفي ان تتكلم والكمبيوتر يستجيب، ولا ادري من سبق من في هذه التقنية بيل جيتس ومهندسو شركته أم الشاعر العربي قبل مئات السنين، فشاعرنا يقول: وأهيف مذبوح على صدر غيره يترجم عن ذي منطق وهو أبكم تراه صغيرا كلما طال عمره ويضحى بليغا وهو لا يتكلم وكأن شاعرنا يصف حال تلك الاجهزة المثيرة الصامتة الصماء التي تعرف ما يدور من خلال الصوت.. إلا ان ما يتطلع اليه العلماء اكثر من ذلك اذ يتوقع فوجن برات الاستاذ في علوم الكمبيوتر بجامعة ستانفورد ان تتحول تقنيات التعرف على الاصوات الى واحدة من اهم تقنيات التواصل الاساسية مع الانترنت، ويعكف برات على تطوير لغة اشارات يتمكن الكمبيوتر من التعرف عليها، اضافة الى العمل على ربط خطوط الكتابة للتواصل مع الكمبيوتر، وتمكين مستخدمي الاجهزة في المستقبل إلى التواصل مع اجهزتها بتوجيه الاوامر باشارات اليد او رمش العين نحو اي موقع مقترح على الانترنت. عموما نستطيع ان ندعي اننا نحن العرب أول من عرف وفهم وتكلم عن تلك الصناعات الحديثة قبل ان تعرفها البشرية بمئات الأعوام، وهذا ليس من قبل التفاخر بل انصاف للحق، فمن يقرأ اوراق التاريخ جيدا يجد تلك الشهادات متناثرة هنا وهناك جميعها يشير بصورة او بأخرى الى ذاك النشاط العلمي المتوهج، فها هي المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه ترصد بقلمها في كتابها الشهير «شمس العرب تسطع على الغرب» قائلة: لقد انفتحت آفاق عديدة امام العرب فصنعوا الساعات التي تسير على الماء وعلى الزئبق وعلى الشمع المشتعل، او التي تعمل بواسطة الاثقال المختلفة، فكان ان وجدوا الساعات الشمسية الدقاقة التي كانت تعلن ساعة الغداء بصوت رنان، والساعات المائية التي كانت تقذف كل ساعة كرة في قدح معدني وتدور حول محور تظهر فيه النجوم ورسومات من عالم الحيوان او ساعات تحمل فتحات منسقة الواحدة تلو الاخرى في شكل نصف دائري، وما تلبث ان تبرق كلما جاوزت الساعة الثانية عشرة ليلا في حين يمر فوقها هلال وضاء. وتستطرد هونكه قائلة: في العام 807م قدم عبدالله رسول هارون الرشيد الى القيصر شارلمان في مدينة آخن ساعة من هذا النمط، وقد علق مؤرخ القيصر اينارد على هذا الحدث في يومياته قائلا: كانت ساعة من النحاس الأصفر مصنوعة بمهارة فنية مدهشة، وكانت تقيس مدة اثنتي عشرة ساعة وفي حين اتمامها لذلك كانت تسقط الى الاسفل اثنتي عشرة كرة صغيرة محدثة لدى اصطدامها برقاص معدني مثبت، دويا ايقاعيا جميلا.. الى آخر الوصف المثير.. وتعلق هونكه من جديد قائلة: نحن مازلنا حتى يومنا هذا نقف فاغري الافواه دهشة واعجابا كلما رأينا ساعة كبيرة في مبنى البلدية، وما يرافق دقاتها من ظهور شخوص صغيرة متحركة تذكرنا بما فعله العرب في الماضي البعيد حبا بالألعاب الميكانيكية وولعا بها.. اننا ايها السادة أول من اخترع الانسان الروبوت ايضا واعتقد اننا أول من عرف وفهم القمر ايضا ومن يقرأ التاريخ يرى عجبا!