ليس مديحاً إذا أقرينا بجودة البرنامج الأسبوعي «سيرة وانفتحت» الذي يُبث على شاشة محطة «المستقبل» اللبنانية، بالنظر إلى حُسن اختياره القضايا الاجتماعية الحساسة، وطرحها للنقاش في مناخ من الحرية والصراحة. وإذا كنا ندرك بأن أي برنامج لا يمكنه التصدي دائما لتقديم المادة المبتغاة، ونفهم أن حبل الأفكار قد يخون في أحيان كثيرة، فإن المشاهد يرفض استيعاب المبالغة في منح مسألة ما القدر الذي لا تستحقه. هذا ما حدث فعلا في الحلقة الأخيرة من «سيرة وانفتحت» التي كرست بمعظمها لمناقشة أغنية «عربي أنا» للفنان اللبناني الصاعد يوري مرقدي، والأسباب والمعطيات التي جعلتها «ضاربة» تكسر السوق برمته. وللعلم، فإن صاحب الاغنية المذكورة يمتلك ويدير شركة إعلانات وإنتاج فني، ويبدو ان موضة الغناء استهوته ونظر إليها استثمارياً، ولمَ لا.. فهذا حقه! ولم تكن هذه الحلقة لتشدني إلى متابعتها، لولا ان موضوعها أقام مقارنة بين النجاح الساحق لأغنية «عربي أنا» وعملين آخرين هما: «أوبريت الحلم العربي» الذي اشترك فيه مجموعة من الفنانين العرب وأطلق عام 1998، واغنية «سجل أنا عربي» التي كتبها الشاعر محمود درويش، وأدتها فرقة الكورس الشعبي عشية الحرب الاهلية في لبنان. وهنا انتابتني الدهشة.. إذ ما الذي يجمع بين تلك الاعمال الفنية، وما وحدة الموضوع بينها.. وهل أن مجرد ورود كلمة عربي في العنوان كفيلة بأن نعقد حلقة حوارية تناقش معنى العروبة في الاغنية؟ ما حصل أن جل وقت الحلقة كان مسخراً لترويج أغنية «عربي أنا» التي تصدرت الشاشة من خلال استطلاع آراء الجمهور. وبين الحين والآخر كان مقدم البرنامج يقوم بتلاوة آخر النتائج حول السر الكامن في نجاحها الساحق! حقيقة وليس تجنياً، كان في الامر مبالغة تستدعي التساؤل: هل تستحق اغنية عادية جدا بأن تقام حولها سهرة نقاش، بل ومقارنتها بعملين يتمتعان بالتزام وطني وانساني، وبغض النظر عن قيمتهما الفنية؟ ولن يلام الفنان غازي مكداشي القادم من تجربة فنية عريقة في تلحين الاغنيات ومسرحيات الاطفال على حضوره ضيفاً في حلقة الحوار. ولابد من التنويه بمداخلاته وردوده الرصينة والدقيقة، قياساً بما فعله مشاركون آخرون حيث بان جليا ضعف الحجة والمنطق في أحاديثهم، وكان ينقصهم التواضع والرصانة في إطلاق أحكامهم الفنية، لكأن حرية الرأي تتيح لصاحبها التفوّه بما يريده من عبارات غير لائقة! وبصراحة أكثر، إذا راقبنا ميزان الربح والخسارة، فسنجد ان الرابح هو صاحب أغنية «عربي أنا» برغم كل الهجوم والانتقاد اللذين تعرض لهما خلال الحلقة.. وإن كان اتصال المذيع «ميشو» متضامناً، لم يقدّم أو يؤخّر كثيراً، كونه جاء استعراضياً أكثر منه وجهة نظر، ومقروناً بنرجسية مفرطة، حيث أبلغ صديقه الفنان: «ان أعداء النجاح يستهدفوننا معاً، ولا أجد مبرراً لذلك سوى الغيرة والحسد فقط»! هكذا تحوّلت الحلقة إلى مسرح للردح والهجوم المتبادل، فيما الموضوع غاب والفكرة تاهت، وظل النقاش يدور في حلقة مفرغة وسط اصرار من مقدم البرنامج على الضيوف المشاركين في ابداء رأيهم بالأغنية أمام صاحبها. لكن النقطة الخفية في الحلقة كلّها التي لم يسعني ادراكها، هي السعي الدؤوب من المذيع في تركيزه على القراءة النفسية لهذه الأغنية «المعجزة»، والمقارنة بين نظرة الرجل العربي ونظيره الغربي للعلاقة مع المرأة. وطبعاً .. مالت الكفة لصالح الرجل العربي، لما تزخر به روحه من شهامة مغلّفة بالرومانسية!