هذا الاسبوع، وتحديدا يوم 19 اغسطس حلت الذكرى العاشرة للعد التنازلي الذي افضى عام 1991 الى انهيار الاتحاد السوفييتي كدولة عظمى وتفككه الى عدة دول هامشية، واذا كانت مجموعة بلدان وشعوب اوروبا الشرقية هي المتضرر الاول من ذلك الحدث البركاني، فاننا نستطيع القول دون مبالغة ان الامة العربية هي المتضرر الثاني، فقد كان انهيار الاتحاد السوفييتي ـ الحليف الدولي الاول للعرب ـ ايذانا بظهور «النظام العالمي الجديد». وهو اسم رنان يعني بلغة بسيطة مباشرة دخول العالم عصر الاستعمار الامريكي الجديد بصورة كاملة، منفردا بالساحة الدولية. فهل يتخذ العرب اليوم وقفة تأمل لاستخلاص درس ذي مغزى من خلال عشر سنوات من الحصاد المر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ان من المسلم به باديء ذي بدء ان حال العالم العربي في اعقاب حرب الخليج الثانية التي وقعت في مطلع عام 1991 ليس حاله في مرحلة ما قبل الحرب، لقد تحول العالم العربي من خليجه الى محيطه، الى حال من الانكسار الشامل بعد ان غشيه شعور جارف بالانهزامية والاحباط، وهذا هو المناخ الذي افضى الى ذلك الاستسلام العربي امام السطوة الاسرائيلية تحت عنوان «اوسلو». السؤال اذن هو: هل كان من الممكن ان يتغير السيناريو لو ان الاتحاد السوفييتي بقي على قيد الحياة الدولية؟ انه بالطبع سؤال افتراضي لا يغير من الوقائع الماثلة شيئا لكننا نطرحه لا من اجل التحسر المتبطل على الماضي، وانما من اجل استخلاص موعظة للمستقبل بعد ان اخذ «النظام العالمي الجديد» يتلاشى كما نرى مفسحا المجال لعالم متعدد الاقطاب (بروز الصين والاتحاد الاوروبي وروسيا كقوى عظمى جديدة منافسة للولايات المتحدة). ان حرب «التحالف الدولي» ضد العراق التي وقعت في يناير 91 ما كان من المتصور ان تشن لو ان القوة العظمى السوفيتيية كانت بكامل حضورها في المشهد آنذاك، صحيح ان التوقيت الرسمي لاعلان تفكيك الاتحاد السوفييتي كقوة دولية تجسد امبراطورية عظمى جرى قرب نهاية ذلك العام لكن مقدمات الانهيار وبوادر التلاشي تعود الى عام 1989، بحيث انه عندما وقع الغزو العراقي للارض الكويتية في اغسطس 1990 وما تلاه من تداعيات بلغت ذروتها بعد نحو ستة شهور لم يعد للاتحاد السوفييتي حضور مؤثر في ساحة الصراع الدولي. ان ما شجع الولايات المتحدة على عقد عزمها لشن حرب في المنطقة النفطية الخليجية من خلال «تحالف دولي» هو اطمئنانها اولا وقبل اي اعتبار آخر الى ان الاتحاد السوفييتي لن يتدخل والا لترددت واشنطن تخوفا من ان الحرب الباردة قد تتحول اى حرب ساخنة عالمية تهدد مصير العالم بأسره. حرب الخليج الثانية لم تكن إذن لتقع لكن ليس معنى هذا ان الاحتلال العراقي للكويت كان سيبقى.. وبدعم سوفييتي، اغلب الظن ان الازمة كانت ستنتهي من خلال تسوية على اعلى مستوى بين القوتين العظميين ـ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ـ في اطار حساباتهما المتبادلة من اجل تفادي وقوع حرب عالمية ثالثة، ومثل هذه التسوية كانت ستقضي بجلاء القوات العراقية عن العراق بضغط مباشر من الاتحاد السوفييتي في مقابل تنازل امريكي لموسكو في مسألة اخرى من مسائل الصراع الدولي. لقد ادت حرب الخليج الثانية الى شق صف الامة العربية وانقسامها على نفسها بصورة حادة بقدر ما ادت الى توكيد السيطرة الامريكية على الوطن العربي واحكامها، مما مهد لقبول اسرائيل عربيا في عهد الانكسار الذي بلغ ذروته الرسمية في اتفاق «اوسلو». والدرس الذي يمكن ان تخرج به الامة العربية الآن بعد عشر سنين من انهيار القوة العظمى التي كانوا يستغلون تنافسها الدولي مع القوة العظمى الاخرى، هو ان تعدد القطبية الدولية خير للعرب من انفراد قطب واحد بالساحة، خاصة اذا كان هذا القطب شريكا استراتيجيا لاسرائيل. لينظر العرب مليا في الصورة الحالية للمشهد الدولي، ليجدوا ان هناك اقطابا صاعدة ـ الصين واوروبا وروسيا ـ التقطت قفاز التنافس في مواجهة امريكا، وليدركوا ان الخسران كل الخسران هو وضع البيض كله في سلة قوة عظمى واحدة.