تجمع وسائل الاعلام الغربي والامريكي المتصهين على تصنيف العمليات المناهضة للاحتلال بالارهاب، دون أن تطرح على نفسها تفسيراً للاغتيالات والمجازر الدموية وتدمير المنازل وحرق الارض وتكسير العظام، في نظر هذا المستعمر كلها لا تساوي وأصغر كثيراً من عملية القدس أو أي رد فعل عربي، السبب في هذا ضعف اعلامنا العربي وعدم قدرته على الدخول إلى العقل الاوروبي. إن ضعف اعلامنا وعجزنا أن تصير هذه الحقائق التي هي ذات جذور تاريخية مهدوفة في هذا البحث. بدءاً لنا موقف من الذين يرون الشكوك في صحة ترجمة التوراة التي بين ايدينا وبالتالي ليست هي العقيدة التي يتناولها الكتاب في التحليل والنقد. ونحن إذ نسلم بمقولات نقيضة لليهودية وإنها تركيب جيولوجي تراكمي يحوي في داخله طبقات عقيدية مختلفة ومتناقضة في رؤيا الدكتور عبد الوهاب المسيري، لا يعفي التوراة من محتوى ايديولوجي ديماغوجي املاه كتبة حاقدون في المنفى على الذين هجّروهم والذين استقبلوهم إلى أن تكوّن لديهم حقداً عاماً على بني البشر من غير جنسهم اطلقوا عليهم اسم «الغوييم» الغرباء ولكن هكذا تفعلون بهم تهدمون مذابحهم وتكسرون انصابهم وتقطعون سواريهم وتحرقون تماثيلهم بالنار لأنك أنت شعب مقدس للرب الهك. عدد 74 قرأ اليهودي، وأعاد تلاوة هذه التعاليم الاف السنين إلى أن اصبحت قطعة من روحه، واصبحت عقيدة الابادة عقيدته، يؤمن أن الرب فعلاً يقاتل أمامه «فاعلم اليوم أن الرب إلهك هو العابر أمامك ناراً اكلةً هو يبيدهم ويذلهم أمامك فتطردهم وتهلكهم سريعاً كما كلمك الرب». عدد 93 وإذا كانت اطلالتي على التوراة من بعيد في هذا البحث فلا يعني أن أعفي هذا الكتاب المحرف من خرافيته واسطورته ودعائيته الكاذبة إن ما يهمنا أن نعلم أن هذا الكتاب الانشائي يفتقد إلى القيمة التاريخية وهو يخلو من الزمان كُتب بعقل روائي وقصصي في آن سيطر فيه كاتبه على عقول البشر الأوروبيين منذ القرون الوسطى وحتى القرون الحديثة والمعاصرة وآمنت تلك الشعوب أن فلسطين أرض الميعاد وأن المسيح سوف يعود ويظهر عندما يجتمع اليهود من بني اسرائيل في أرض الوعد، حيث يخلص الشعب اليهودي من محنة العذاب «الشتات» والاضطهاد المزعومين. تطابقت هذه الايديولوجيا مع فكرة المجال الحيوي التي هي أساس البناء الاستعماري الحديث الذي يقوم على اساسات القوة من دون النظر إلى المادة التي تتكون منها اساسات هذا البناء، واخلاقية القوة وناظمها. انتشر اليهود من بني اسرائيل، أو يهود الخزر من العرق الاري في جميع اصقاع اوروبا حملوا معهم براعة مهنة التجارة والربا واتقان فن الدسيسة نسب لهم احتقار الشعوب المضيفة، حتى أصبح الأمر صعب القبول به، فشرع الفكر الاستعماري الاوروبي يتفكر في كيفية التخلص من هؤلاء، فكانت فلسطين من بين عدة مواقع الأكثر وجوداً في التوراة وفي الذهنية البروتستنتية ولأنها الحلقة الأضعف. لم يختلف، أو يتناقض العقل الصهيوني في القرن العشرين عما هو في توراة ما قبل الميلاد فقد أمر يشوع بن نون حسبما يزعم اليهود في توراتهم ـ بابادة سكان «عاي» وضربوهم حتى لم يبق منهم شارد ولا متفلت. يشوع 822 وشارون الوجه الآخر ليشوع حفظ ما كتبه كتبة التوراة ويعمل بما يأمره به يشوع في إبادة أهل فلسطين في زمن هيأ له تفرق العرب الفرص المناسبة في التخلي تماماً عن شعب فلسطين لكن شعب عاي «واريحا لم يكونا وحدهما فحسبما ورد في توراتهم»: وما سمع جميع الملوك الذين في عبر الاردن في الجبل وفي السهل وفي كل ساحل البحر الكبير إلى جهة لبنان الحيثون يشوع واسرائيل بصوت واحد. يشوع 9. 21 كان هذا الاجتماع الوحدة وهي تتحقق دوماً في وجه هذه القبيلة الاسرائيلية المتوحشة ولم يتمكن يشوع كما ورد في توراتهم من أن يفني سكان فلسطين، فكيف يستطيع اليوم قادة الصهيونية الحديثة إبادة شعب فلسطين؟. لقد تكررت عبارة «لم يبق شارداً» في سفر يشوع مرات عدة، في الاصحاح العاشر تحديداً حتى يخال إلينا أن سفر يشوع يشكل في القرن الحادي والعشرين المرجعية السياسية للحاخامية العسكرية الصهيونية في شن حروبها وارتكاب افضع المجازر الدموية. فتاريخ هذه القبيلة الهمجية، كتب بالدم وملوث بالغدر دون أن يحققوا انتصاراً له مدلول تاريخي وحضاري وكان سلوكهم عاملاً محرضاً للشعوب المجاورة والمتداخلة معها لرفضهم عرقياً أثنياً، ووجدت هذه الشعوب صعوبة التجانس والتلاقي لا في الفكر ولا في العقيدة ولا في السلوك. حتى أن بني اسرائيل لم يكونوا على وئام تام مع نبيهم وقائدهم في الخروج النبي موسى. هنا تستوقفنا اشارات استفهام كثيرة لها بعد أفقي يتمحور التساؤل الأول: لماذا كرهت شعوب المنطقة وملوكها بني اسرائيل ورفضوا السماح لهم بالدخول إلى حيث يشاؤون؟ اجابت التوراة نفسها: لأنهم أي بني اسرائيل شعب لا ينام حتى يأكل فريسة ويشرب دم قتلى. عدد 2324 ونقرأ اجابة أخرى من السفر نفسه: فقال موآب لشيوخ مديان الآن يلحسُ الجمهور كل ما حولنا كما يلحس الثور خضرة الحقل. عدد224 يرى كثير من الباحثين أن مرجعية البطش وسفك الدماء لدى بني اسرائيل هو الإيمان ببني إسرائيل كمجموعة تبديّ ذلك بوضوح يسترعي التفكر ويثير الانتباه عند خروجهم من مصر فقد حصروا فكرهم في الدرجة الأولى في سلامة المجموعة وبقائها، حتى وإن كان ذلك ـ وهو ما سيكون ـ على حساب الفرد حتى اصبح الإنسان إذا نظر إليه كفرد ولا قيمة له، فهم لا يثيرون ضجة لموت واحد منهم حتى تجاهلت اليهودية ممات الفرد فخلت من طقوس الدفن والعزاء والتكفير. لكن خالد القشطيني في بحثه هذه المسألة يرى أن خذلانهم في تكوين دولة ومجتمع متماسك والشتات الذي تعرضوا له عادوا ليؤمنوا بخلود الفرد وهو يتساءل: ما الذي حدى بمفكري ومفسري اليهودية أن يلتفتوا في الشتات إلى موضوع خلود الفرد؟ يرى أن ذلك وقع بعد فشل خلود المملكة واخراج اليهود منها وتشتيتهم. هكذا منذ السبي الاشوري إلى السبي البابلي إلى تهديم الرومان هيكلهم إلى تاريخنا المعاصر، إذا استثنينا امبراطورية الخزر الهيودية ونرى أن اليهود من بني اسرائيل كانوا سببا في كراهية الناس لهم ووصلت هذه الكراهية الى حد عنيف وذلك كرد طبيعي على عقيدتهم الانغلاقية الشاذة و سلوكهم الدموي وضعف حالهم في التمازج مع محيطهم ربما نسأل كيف كوّن اليهود -أو كيف نجح هذا الشعب غير المجتمعي في تكوين دولة بين بحري قزوين «الخزر والأسود» ـ وهو ما عرف تاريخياً بـ امبراطورية الخزر أو القبيلة الثالثة عشرة كما دعاها آرثر كوستلر. لم يكن الخزر يهوداً هم شعب بدوي همجي من أصل تركى رجال اشداء وقفوا حاجزاً في وجه المد العربي الاسلامي باتجاه اوروبا والعكس أيضاً في وجه المد الاوروبي نحو الدولة العربية العباسية كما حمت هذه القبائل الخزرية التركية بيزنطة نفسها من الغارات الهمجية لقبائل الاستبس الشمالية: البلغار والمجر والبتشنج وغيرها، ولسنا الآن بصدد كيف تحولوا إلى اليهودية إنما نهدف أن اليهود من بني اسرائيل لم يكن لهم أي انتشار واسع في بلاد القفقاس والترك بل هؤلاء الترك هم الذين تحولوا إلى اليهودية بعد أن رفض ملكهم أن يكون مسيحياً أو مسلماً، هؤلاء اليهود الخزر هم الذين يسيطرون اليوم على فلسطين ويأتي البطش الذي يسري في دمهم قبل اليهودية فكيف وقد اعتنقوا هذه الديانة الدموية ليس بوسع قادة الصهاينة من بن جوريون المؤسس الأول لدولة الكيان إلى رابين، بيريز، نتانياهو، باراك وأخيراً المتوحش شارون لم يكن بمقدور هؤلاء سواء من كان منهم خزرياً أم يهودياً بروتستنتياً فهم تحولوا من التضحية بالفرد من أجل المجموع إلى تقديس الفرد والايمان بخلود الروح حتى إذا ما قتل طفل منهم أقاموا الدنيا ولم يقعدوها. إن عودة استقرائية لتاريخ اليهود القديم والحديث يؤكد دمار بني اسرائيل بصورة متلاحقة، جاء ذلك بسبب فسقهم وكفرانهم منذ بداية تاريخهم، حتى اصبح الشعور بالعنصرية والجريمة والأثم ميزات اتصف بها تاريخهم وارتبطت ايديولوجياً بالنتاج الفكري لليهود، وحتى تاريخنا المعاصر وأمام حائط المبكي ينشدون: اللهم لا تصمت لا تسكت ولا تهدأ يا الله، فهوذا اعداؤك يعجون ومبغضوك قد رفعوا الرأس، على شعبك مكروا مؤامرة وتشاوروا على أحميائك. قالوا هلم نبدهم من بين الشعوب ولا يُذكر اسم اسرائيل بعد. يا الهي اجعلهم مثل الحل مثل القش. مزامير 83. فالاعلام الصهيوني اليوم أثبت جدارته في تفوقه على الاعلام العربي رغم هذه العقلية الدموية، مازال زعماء الصهاينة يطلبون الشفقة ويدعون أن قتالهم وبطشهم لأنهم يريدون الحياة والفلسطينيون يريدون إبادتهم، الصهاينة يريدون الأمن والحدود الآمنة ويستهدفون السلام، والفلسطينيون بالحجر والمقلاع يهددون أمن الدولة العبرية. نائب الرئيس الامريكي «ديك تشيني» يرى تبريراً لجرائم شارون الذي يستخدم اعنف الاسلحة المتطورة. هنا يطرح بعض الباحثين العرب امكانية التعايش مع هؤلاء القتلة -سياسة التطبيع- أو أن باحثاً كبيراً ـ ادوار سعيد ـ يرى من خلال مفهومه معرفة الآخر، وأهمية معرفة اسرائيل والتخلي عن لهجة دولة الكيان اننا كعرب بحاجة إلى دراسة ذلك التاريخ الآخر ـ اسرائيل ـ ومحاولة فهم امثال شارون وليبرمان وعوفاديا يوسف وهناك باحثون آخرون شرعوا يطرحون مفاهيم جديدة تخدم السياسة العربية المتخاذلة، كمفهوم «ثقافة التسامح» الوجه الآخر لمفهوم «ثقافة التطبيع» وهي تذكرة مشؤومة لسياسة التطمينات التي توجت سعي الانجليز مع شريف مكة وهو يطلب تفسيراً لوعد بلفور، عندما افهموه أن هؤلاء اليهود ضيوف في فلسطين، وثقافة التسامح، لون آخر ومولود هجين للثعلبية الانجليزية. يرى فيها السيد ولد اباه أنها تقوم على ثلاث مصادرات واهية: 1ـ واقع الهزيمة العربية يقتضي تغيير الاستراتيجية الحكومية بانتهاج مسلك السلام والتسوية. 2ـ نية الولايات المتحدة بحسم الصراع وإنهاء بؤر التوتر، وهي لم تعد بحاجة إلى وكيل اقليمي. 3ـ السلام ليس في مصلحة اسرائيل لذلك ينبغي استيعابها. تبقى دراسة فهم الاسرائيلية واليهودية وطرح نقاش مستديم لتاريخ اسرائيل وربطه ومقارنته بالنصوص التوراتية والتلمودية ومفهوم الارهاب في القديم والحديث، مسألة ملحة، وإذا كانت قضية حدوث اختراق ثقافي في الوعي الاوروبي قد تكون مستحيلة على المدى المنظور، إذ ليس ببساطة نزع ما يؤمن به الاوروبيون بصفحات الكتاب العهد القديم سواء أكان اسطورياً خرافياً، أم يقترب من الحقيقة، يبقى ملحمة منهوبة من اساطير الحضارة المصرية وبلاد الرافدين، أما وحشيتهم شكلت ملحمة دموية عجزت عن تحقيق ما يتطلع إليه طموحهم، بل عادوا بعد يوشع بن نون إلى الحياة البدوية كانت انهزاماً أمام الكنعانيين والفلسطينيين والأدوميين طيلة الفترة التي استمرت قرناً من الزمن. ـ عضو اتحاد الكتاب العرب