تغيرت في السنوات الأخيرة حكايات الصيف التي كانت ترويها وسائل الإعلام في أوروبا لتلبية عطش الجماهير إلى التسلية المطلوبة لقضاء هذا الوقت المخصص للاستجمام من عناء عام من العمل استعدادا لاستقبال عام جديد، ولم تعد نشرات الأخبار في وسائل الإعلام تتحدث عن الماء والهواء والبحر والتصييف، واحدث ملابس البحر المناسبة لكل منطقة أو رحلة تصييفية، وأنواع الكريمات المناسبة التي يجب أن يستخدمها المصطافات والمصطافون لاتقاء حرارة الشمس، خاصة في ظل اتساع ثقب الأوزون وأثره على صحة المصطاف الذي يتعرض جسده للشمس لفترة طويلة، أو لا ينتبه إلى أن الشمس لم تعد كما كانت. الوقت تغير مع تطور التكنولوجيا، وأيضا مع تطور الزمن، واصبح الحديث الآن لا يتوقف عند تلك الأشياء، بل اصبح يشمل أيضا، إضافة إلى أمواج البحر، الحديث عن «الغرباء ذوي البشرة السمراء» الذين يغزون الشواطئ فجرا، حتى اصبحوا هم أبطال نشرات الأخبار بلا منازع، وما دون ذلك من أخبار تدور حولهم أيضا، من أخبار الخلافات بين الحكومة والمعارضة، واستخدام كل منهما لهؤلاء الغرباء في البحث عن مزيد من الأصوات الانتخابية، سواء بالتنصل من المسئولية عن هؤلاء القادمين من خلف الشاطئ الآخر للقارة الأفريقية، أو المطالبة بمساعدتهم أو طردهم حسب طبيعة أيديولوجية كل حزب أو جماعة سياسية. فخ التغريب في خضم هذا الحديث الذي لا ينقطع عن الغرباء الذين قرروا تحت ضغط الحاجة والحروب والأنظمة السياسية الفاسدة والجفاف البحت عن حياة افضل، تجذبهم مشاهد مغرية لبلاد يشاهدونها من خلال الأفلام السينمائية أو القنوات الفضائية التي أصبحت متاحة اليوم في أي مكان من الكرة الأرضية، حتى أصبحت سلاحا ذا حدين: قنوات للتغريب والإغراء بالثقافة الغربية، وفي الوقت نفسه إغراء بالهجرة لتذوق ثمار ذلك الفردوس البعيد المنال. تلك القنوات الغربية في محاولاتها نشر ثقافتها لتسود على الثقافات الأخرى تقدم مشاهد مغرية تدفع إلى مغادرة الأرض البور في أفريقيا بعد عقود من الاستعمار والحروب والجفاف الذي قضى على الأخضر واليابس بحثا عن تلك الجنة التي يشاهدها البسطاء من الناس، فيندفعون في رحلات الهول التي أصبحت تنتهي اليوم، إما بالموت غرقا في عرض مياه مضيق جبل طارق، أو الوقوع «أسرى» في أيدي البوليس الذي ينتظرهم في عرض البحر ولا يتركهم يحققون مجرد لمس ارض الأحلام التي شاهدوها في القنوات الفضائية، وكانت دافعهم إلى تلك المغامرة الخطرة. من لا يموت غرقا أو جوعا وتعبا، أو لا تصل إليه أيدي رجال البوليس المدجج بكل أنواع الأسلحة الحديثة وكأنه يشارك في مشروع «حرب النجوم» يسقط في أيدي مافيا السخرة المعاصرة التي تستخدم هذه الأيدي العاملة البائسة «غير الشرعية» في أعمال خطرة مقابل ثمن زهيد. هذه الهجرة الجديدة أيقظت موجاتها أيضا روح العنصرية بين طبقات الشعب المتعددة، خاصة بين الشباب الذين أنهكهم الحس الاستهلاكي في المجتمعات الغربية، واصبح معظمهم بلا أمل في حياة مستقرة، فتحولوا إلى أيديولوجيات متطرفة تنادي بحماية الوطن من «الغزو الصامت» الذي تقوم به أفريقيا منذ سنوات، ويهدد بالقضاء على نقاء «العنصر الأوروبي»، وفي بعض الأحيان تحولت تلك المطالب إلى أفعال عنف، وراح ضحيتها العديد من المهاجرين وبشكل خاص من يتمتعون بلون مختلف عن لون العنصر الأوروبي الأبيض. بل أن النظرة العنصرية انتقلت إلى فئات أخرى من المجتمع كانت حتى وقت قريب من الفئات الأكثر تفهما لأوضاع هؤلاء البائسين القادمين من خلف الصحراء، وهذا يمكن تلمسه من خلال العديد من الأحكام القضائية التي زج فيها «القضاة» بأبرياء من المهاجرين في السجون باتهامات «باطلة» لا يتم إعادة النظر فيها حتى بعد اعتراف الجناة الأصليين بارتكابها، لان المسجون ببساطة «مهاجر سري». لكن ليس كل ما يتعلق بهؤلاء المهاجرين الجدد سلبيا على أي حال في المجتمعات الغربية، وبشكل خاص في أسبانيا، التي كانت حتى وقت قريب من البلاد المصدرة للهجرة. مهاجرون سابقون ممارسة العنف الجسدي ضد المهاجرين الأفارقة والمغاربة التي تمارسها بعض الجماعات العنصرية المتطرفة في أسبانيا دعت بعض المهاجرين القدامى الذين عاشوا المأساة نفسها، فغادروا وطنهم بحثا عن وطن يمنحهم الحرية والحق في التفكير المختلف الذي انتزعه منهم الجنرال فرانكو لمجرد انهم في لحظة من لحظات حياتهم آمنوا بشيء مختلف عما كان يؤمن به الجنرال الدكتاتور، أو ببساطة بحثا عن لقمة خبز بعد سنوات الجوع التي أعقبت الحرب الأهلية المدمرة، دعت تلك الأوضاع بعض المهاجرين «سابقا» إلى العودة إلى ذكرياتهم القديمة وتقديم حكاياتهم وتجاربهم للأجيال الجديدة لعلها تفيق إلى أنها جاءت إلى الحياة بفضل هجرة أجدادهم وآبائهم إلى بلاد أخري عندما ضاقت بهم بلادهم. ومن اطرف ما نشرته وسائل الإعلام الإسبانية خلال هذا الصيف، تلك الحكاية المدهشة التي دفعت جوعى نظام الجنرال فرانكو وبعض اللاجئين السياسيين الهاربين من طاغوته إلى التجمع في مركب شراعي صغير عام 1949 مشابه لتلك القوارب التي يصل بها المهاجرون إلى الشواطئ الأسبانية اليوم، ليبدءوا رحلة محفوفة بالمخاطر باتجاه أمريكا اللاتينية دون أن يكون بينهم «قبضان» يفهم في الملاحة، ولا حتى أدوات ملاحية، بل كل ما كان لديهم هي قوة التعلق بالحياة بحثا عن حياة افضل، تماما مثل الغرباء الذين يزحفون من أفريقيا وآسيا وتزدحم بأخبارهم ومغامراتهم وسائل الإعلام اليوم. يقول بطل تلك الحكاية المواطن الأسباني «رامون رودندو» الذي مات قبل اشهر قليلة تاركا من ورائه شهادته في شكل مذكرات منشورة انه: «يرى صورته كمهاجر غامر بحياته ليصل إبحارا بقارب شراعي إلى فنزويلا مثيلا في الأفارقة والمغاربة العابرين مضيق جبل طارق سباحة بحثا عن حياة افضل في أوروبا». بدأت الحكاية بقيام رامون بشراء مركب شراعي صغير تبلغ حمولته 39 طنا، وسرعته القصوى عندما تواتيه الريح لا تزيد عن سبعة أميال في الساعة، ودفع مقابل تلك السفينة المتهالكة مبلغ 250 ألف بيزيتة بعملة ذلك الوقت (حوالي 1500 دولار حاليا)، لكنه قرر أن استخدام هذا المركب الشراعي في تهريب الأسبان الراغبين في الوصول إلى العالم الجديد افضل من استخدامه في الصيد، خاصة أن المركب قديم ولن يتحمل اكثر من رحلة صيد واحدة. لذلك توصل سرا إلى جمع 106 اشخاص دفع كل منهم حوالي أربعة آلاف بيزيتة مقابل رحلة غير مأمونة، يمكن أن تصل بهم إما إلى الموت غرقا في قاع المحيط الأطلسي أو إلى العالم الجديد بكل ما يمثله في أذهانهم من حياة جديدة بعيدة عن بؤس أسبانيا ما بعد الحرب الأهلية. أحد الذين تعاقد معهم صاحب السفينة لم يدفع مقابل الرحلة معلنا أن له خبرة كقبطان بحري، ويمكنه أن يقود السفينة الشراعية، ولكن بعد التوغل في المحيط غربا بعد مناورة خطرة للهرب من حرس السواحل في جزر الكناري أعلن «القبطان» المزيف انه لم يسافر في البحر أبدا، وانه مجرد لاجئ سياسي مطلوب القبض عليه وتحايل على صاحب السفينة لأنه لا يملك مقابل الرحلة. عندها كاد الركاب يفتكون به لولا حنكة أحد بحارة السفينة الذي خدعهم ـ هو أيضا ـ بإعلانه انه قادر على الوصول بهم إلى شواطئ العالم الجديد سالمين. تحول جوهري كان من بين ركاب السفينة «الفيرا» عشر نساء وطفلة لا تتجاوز الرابعة من عمرها، وبدأت الرحلة في الخامس عشر من أبريل 1949 لتصل إلى شواطئ فنزويلا في الخامس والعشرين من مايو، أي قطعت السفينة الرحلة في حوالي اربعين يوما. لكن ما بين يوم الإقلاع وحتى لحظة الوصول كانت الرحلة مغامرة اقرب إلى الانتحار، عدد ركاب السفينة كان اكبر من طاقتها فكانوا ينامون كل بجانبه، وكأنهم من سمك السردين المرصوص في إحدى المعلبات، وكانوا يحاولون الحفاظ على الطعام القليل الذي كانوا يملكونه تحسبا لطول الرحلة، ويحاولون صيد بعض الحيوانات البحرية التي تقترب من السفينة في هدوء الليل للتقليل من استخدام مخزون الطعام، وامتنع المدخنون عن التدخين، وتم تقسيم مخزون الماء طبقا لنظام صارم. وكثيرا ما تعرضت السفينة لأمواج عالية كادت تفتك بها، أو تهتكت قلاعها وتم ترقيعها، إلا أن موجات الحرارة الشديدة المختلطة بيود البحر وهوائه الملحي مزقت ثيابهم حتى أصبحت مجرد خرق مهلهلة على أجسادهم. وكما يؤكد صاحب السفينة في مذكراته، انه في منتصف المحيط ضربت سفينتهم عاصفة هوجاء حطمت أشرعتها وكادت تغرقهم، لكنهم استطاعوا تحمل الضربة وحاولوا استخدام ما تبقى لهم من حطام للوصول إلى الشاطئ كالغريق الذي يتعلق بقشة في منتصف المحيط، وبالفعل اقتربوا من شواطئ فنزويلا بعدها بيومين فقط، وقام سلاح الحراسة الفنزويلي البحري بسحب «بقايا» السفينة إلى ميناء صغير، لتطل صورتهم في اليوم التالي على صدر الصفحات الأولى للصحف الرسمية الفنزويلية التي تتحدث عن القبض على «مهاجرين غير شرعيين» قدموا من أسبانيا. الحكاية التي ترويها مذكرات المهاجر الأسباني تشبه طرق الهجرة التي يستخدمها المغاربة والأفارقة اليوم للوصول إلى أوروبا، عبر اسبانيا، ومتابعة الصحف الفنزويلية للمهاجرين الأسبان «غير الشرعيين» قبل نصف قرن تشبه متابعة وسائل الإعلام الأسباني اليوم للمهاجرين الأفارقة غير الشرعيين الذين يصلون يوميا إلى شواطئ أسبانيا بعد السباحة عبر مضيق جبل طارق. لكن الفارق الوحيد بين مهاجر الأمس من الأوروبيين الباحثين عن حياة افضل في العالم الجديد وبين مهاجر اليوم القادم من أفريقيا بحثا عن الهدف نفسه هو في تعامل المجتمعات المستقبلة لتك الهجرة، بالأمس كانت المجتمعات الجديدة في أمريكا اللاتينية تستقبل الأسبان بأحضان مفتوحة، وتقدم لها كل المساعدة ليبدأوا الحياة بتفاؤل، بل أن بعض هؤلاء المهاجرين استقروا واصبحوا من أساسيات المجتمع الذي احتضنهم. أما مجتمعات اليوم في أوروبا فإنها تستقبل «المهاجرين السريين» الجدد بالبوليس والقوانين المقيدة للحرية والإجبار على العودة إلى الأرض التي هربوا منها، ومن يهرب من البوليس يواجه جشع رجال الأعمال الذين يوظفونهم في أعمال خطرة وبرواتب زهيدة، ويعاملونهم معاملة السخرة، ليواجهوا بعد ذلك عنف العنصرية الجديدة في أوروبا، فيغرقون في جحيم الهجرة الأبدي الذي لا يطاق. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا