حين يأتي الحديث عن السفر، فأنا سويسري الهوى من أخمص القدمين إلى الشعر وحتى النخاع، يفتنني ذلك البلد الأوروبي الصغير الذي يضج بالماء والخضرة وطراز صقيل من البشر، الأفق السويسري مشبع بالخضرة ويكتسي بالعشب المنمق والشجر، فيبدو الوطن بأسره وكأنه حديقة منمقة بعناية فائقة، وحين ينكسر الأفق الأخضر تنهض قمم مغطاة بالثلج والسرو ومطعمة بالحجر. سويسرا بلد يبترد يومياً بالمطر الفجائي وكل مدنه تغمس ساقيها في الماء، بحيرة أو نهر. وحين يشبهون المدائن بالنساء فلدي في سويسرا صويحبات لا تمل قسماتهن ومشاعرهن، فـ «زيوريخ» حسناء تجاوزت الأربعين منهمكة في مهامها أكثر من عنايتها بمظهرها لكن العين المدربة تلحظ بوضوح امتلاء قامتها الفارعة بقسمات لا ينفك المرء من سحرها، ربما تبدو قسماتها صارمة بعض الشيء ولكن ذلك يعود إلى ايقاعها الحياتي السريع ربما، أو بفعل ما تشربته من ثقافتها الالمانية غالباً، فعندما تستقطع معها أمسية للترويح ستجد «زيوريخ» امرأة ذات تجربة انسانية عريضة، تتحدث لغات متعددة وتحذق فن السهر، وهي سخية بقدر ما تأخذ ولكنها ليست مثل كل الحسان اللواتي يغرهن الثناء. في اقبالها النهم على مواكبة صورة «مانيكانات» العروض التجارية تحاول «زيوريخ» الاستماتة في الحفاظ على بعض القديم الذي يمكن أن يحفظ لها هوية مميزة فتسعى لجذبك إلى حي قديم تحتضنه مثل خاتم ورثته عن أمها. ربما كانت «بيرن» ـ العاصمة السويسرية ـ أفضل في الحفاظ على هويتها التاريخية، فحظيت لذلك باهتمام خاص من منظمة اليونسكو التي اعتبرتها أوروبية تقليدية، و«بيرن» حسناء ذات جمال كلاسيكي ارستقراطية مسرفة في رزانتها الى درجة تحس معها ببرودة المشاعر وليس بلادتها، و«بيرن» من طراز النساء اللواتي يغري مظهرهن على مغامرة لسبر الغموض الذي يلفها، ويستنزف ذلك جهداً ويتطلب صبراً ولكن إذا تجاوبت يجد المرء ان المغامرة كانت تستحق الجهد والصبر. «لوزان» تبدو مثل أرملة ورثت ثروة طائلة وأبناء عديدين وهي بحكم الثراء تظهر عليها ملامح النعمة لكنها لا تجد في ظل مسئولياتها تجاه الابناء الوقت الكافي للاعتناء بنفسها أو مظهرها، فأنت حين تدلف البيت تجد أثاثاً تقليدياً نادراً ولكن يعلوه غبار الزمن، وتجد لديها تحفاً فنية نادرة ولكن لم يعد لديها فسيح من الزمان أو المكان لترتيبها كما ينبغي، جل الوقت مسخر للعناية بمستقبل الأبناء والبنات من حولها. «جنيف» أكثر عناية بنفسها من حال اخواتها، فهي فاتنة أنيقة خفيفة الروح منفتحة على الدنيا ومقبلة على مباهجها، حريصة على أن تقطف من كل بستان زهرة. تحتفظ في خزانتها بأجمل ما تقدم دور الأزياء وتعرف ماذا ترتدي من الأثواب لكل حالة، اكتسبت مهارات نادرة ومتعددة في الاستئثار بمشاعر الآخرين في سهولة ممتنعة لكنها ليست امرأة بسيطة، على نقيض ذلك تبدو «جنيف» مثل حسناء ذات نفسية معقدة أحياناً كثيرة، فهي تريد أن تؤمّن لنفسها مقعداً بين الارستقراطيات الكبار في العالم فهي لا تنافس اخواتها السويسريات فقط وانما عيناها على أخريات مثل «باريس» و«موناكو» مثلاً، ولها رغبة جموح أن تصبح أكثر كوزومبوليتانية. لكن «جنيف» ليس لها امكانات باريس المتنوعة والغنية وتجربتها الحياتية الخصبة، كما انها غير قادرة على انغلاق «موناكو» بحيث تحبس نفسها على الصفوة من الأثرياء والنجوم، ربما انفتاح «جنيف» على موظفي المنظمات الدولية منحها على نقيض «موناكو» روحاً شعبية محببة، فالعاملون في المنظمات الدولية في معظمهم قادمون من العالم الثالث وينتمون الى الطبقات المتوسطة بغض النظر عن مواقعهم داخل المنظمات. ربما تكون «مونترو» وحدها القادرة على منافسة «جنيف» مستقبلاً فهذه حسناء في مقتبل العمر تبدو امكاناتها الجمالية لا حصر لها ولا يستطيع المرء أن ينجو من فتنة صباها وبهاء روحها فهي ذات صحبة لا تمل، ومما يزيدها حسناً وتيهاً انها على علاقات حميمة ودافئة مع جاراتها ولكنهن جميعاً يكرسن جهودهن لخدمتها وليس على منافستها. «مونترو» مثل «لوزان» و«جنيف» تطل ضمن أخريات على بحيرة «ليمان» لكن الشاطئ لديها مترف على نحو خاص يشعرك بالألفة حين تكون في الماء أو أنت جالس على مقعد داخل كافتيريا أو مطعم فندقي، ذلك شاطئ يضج بالجمال والحياة لكنه ليس مكدساً بالبشر كما في «نيس» الفرنسية أو «برايتون» البريطانية، «مونترو» تشعرك دائماً انك مميز في مكان متميز تحتاج الى صحبة خاصة. هناك عدد من الفتيات السويسريات ذوات الجمال الجبلي، قسمات، وبحة صوت مثل ما تغمس معظم مدن سويسرا اقدامهن في الماء، فقليل عدد المدائن اللواتي لا يتوسدن جبلاً. من بين الجبليات أجد كرانز ـ مونتانا أحبهن إذ البساطة هناك في أبهى صورها لكنها مطعمة بأجمل ما أنتج العصر وسط خضرة غنية وعلى جبال شاهقة قممها دائمة البياض في الصيف والشتاء. أحياناً يردد المرء مقطعاً من أغنية على نحو عفوي ارتباطا بذكرى عزيزة مع جميل من الانسان أو المكان وأحياناً يردد المرء مقطعاً غنائياً دون سابق ارتباط حتى يكتشف انه صدى للقاء لم يتم مع عزيز من الانسان أو المكان. في مقتبل العمر شاهدت فيلما لم يعد في ذاكرتي منه سوى مقطع لاغنية يقول «تيك مي باك تو اسويزرلاند» «خذني الى سويسرا مرة أخرى» ولم أحاول معرفة بقاء ذلك المقطع في ذاكرتي سنين عددا حتى زرت سويسرا للمرة الأولى، وفي كل مرة أزداد معها ألفة تجعلني أعيد ذلك المقطع الغنائي بعد الرحيل عنها.