عندما كتب جورج أورويل روايته الشهيرة «1984» كان يحاول عام 1949 استشراف ما يمكن ان تؤول اليه الامور قرب نهاية القرن العشرين. وبطل رواية «1984» شخصية مستترة غير متجسدة لكن تشعر بوطأة وجودها الثقيل في كل مكان. لقد صنع خيال اورويل شخصية «الاخ الاكبر» الذي يفرض وصايته على الجميع. ويتدخل عنوة في حياة الناس ويتطفل على ادق خصوصياتهم لايتركهم حتى في غرفة النوم بل وفي الحمام. يرصد الأخ الاكبر كل كلمة وكل تعبير. ولا يترك خلجة تمر دون ان يتابعها، وجوده جاثم تستشعره انّى رحت أو جئت، والهدف من وراء صنع هذه الشخصية كان يتمثل في هجاء الدولة التي تحاول فرض سطوتها وتأكيد وجودها بين رعاياها داخل الاقليم الذي يحيون فيه. ولم يدر بخلد اورويل عندما رسم ملامح شخصيته انه سيأتي وقت تتباين فيه التنويعات على نمط «الأخ الاكبر» وبدلا من ان تنحصر مساحة الاحداث وتختزل داخل حدود الدولة خرج علينا «أخ اكبر» يراقب العالم كله. كان طبيعيا ان يولد الأخ الاكبر لدى شرطي العالم الحديث .. في الولايات المتحدة التي أسست شبكة «ايشلون» أو «النسق» لمراقبة كل صور الاتصالات بما في ذلك البريد الالكتروني. ويجد الامريكيون في التجسس عبر «ايشلون» فوائد لاحصر لها حيث افسدوا من خلالها كثيرا من الخطط واضاعوا على الآخرين العديد من الصفقات الضخمة .. وشبكة ايشلون تعمل بكفاءة منذ السبعينيات، ولفوائدها الجمة شهدت توسعات وتطويراً لا يتوقف، وتلعب بريطانيا دور المساند منذ ان وقعت مع الولايات المتحدة اتفاقية التعاون السري المعروفة بـ «أوكوسا» كما يعتقد ان هناك أدوارا ثانوية او ربما أكبر من ذلك تلعبها دول مثل كندا واستراليا ونيوزيلندا. ونظرا للفوائد الهائلة التي تثمرها هذه الشبكة، يعكف الفرنسيون على وضع اللمسات الاخيرة لبناء شبكتهم الخاصة التي ستحمل اسم «سرب النحل»، وذلك في اطار الحرب المضادة ضد الامريكيين الذين افسدوا عليهم صفقات ضخمة. وهناك تنويعة اخرى على نمط «الأخ الاكبر» اخذت تنتشر مؤخرا، حيث تتبارى شبكات التلفزيون الاوروبية الآن في عرض برامج تقوم على فكرة «الأخ الاكبر» وتحمل نفس الاسم او ربما اسماء اخرى مثل «لوفت ستوري» وهو الاسم الذي اشتهر به البرنامج بين الجمهور الفرنسي. تنويعة تتسم بقدر كبير من السخافة حيث يتطوع اناس بتقديم خصوصياتهم الشديدة لتعرض على شاشات التلفزيون بل وعبر الانترنت. والغريب في الأمر ان النسخة الفرنسية من البرنامج تسجل اعلى نسبة مشاهدة وتجتذب نحو 6.3 ملايين مشاهد عبر التلفزيون فقط مساء كل خميس عندما يعرض البرنامج ويمثل هذا الرقم حوالي 29% من اجمالي عدد المشاهدين وهي نسبة مرتفعة للغاية. لا ندري ماذا يمكن ان ننتظر بعد ذلك من صور وأنماط تظل تلعب على اوتار شخصية صنعها كاتبها استنكارا واستهجانا.