انتهت الحياة الطبيعية في اسرائيل. هكذا يفيدنا مراسل «الديلي تلجراف» اللندنية في رسالة اخبارية مطولة نشرت الاسبوع الماضي. يمكن ان تكون أنموذجا فذا لفن الرواية الصحفية من حيث دقة النقل. الرسالة تتحدث عن انتشار «وباء» يعم الآن المجتمع الاسرائيلي اسمه الرعب. والصور التي ينقلها لنا المراسل من صميم الواقع اليومي الاسرائيلي توحي بصورة غير مباشرة بأن الهاجس الاعظم الذي استولى على كل اسرة اسرائيلية اليوم هو الهجرة. والسبب هو: العمليات الاستشهادية التي ينفذها شبان المقاومة الفلسطينية داخل العمق الاسرائيلي. يستهل مراسل الصحيفة البريطانية رسالته بهذه الجملة بليغة الايجاز: وسط الجنازات ونحيب اقارب ضحايا العمليات الفدائية الفلسطينية اخذ الاسرائيليون يدفنون بصمت ضحية اخرى: الحياة الطبيعية! ومن هذه العبارة التأسيسية العريضة تتفرع صور متنوعة بطول هذه الرسالة الاخبارية. يقول استاذ اسرائيلي في جامعة تل ابيب: عندما اقود سيارتي الى مكان عملي كل صباح فانني احاول قدر المستطاع تجنب المرور بجانب الحافلات خوفا من ان تنفجر احداها. وتقول موظفة بنك وأم لثلاثة اطفال: عندما اذهب لشراء قطعة بيتزا فانني اشعر ان ذلك قد يكون آخر عمل اقوم به في حياتي، والاشارة هنا بالطبع هي الى تلك العملية الاستشهادية التي استهدفت قبل نحو ثلاثة اسابيع مطعم بيتزا في القدس الشرقية واسفرت عن مصرع 15 اسرائيليا دفعة واحدة. اجمالا بات الاسرائيليون لا يرغبون في مغادرة منازلهم الى الشارع والاماكن العامة إلا لضرورة قصوى. لقد اصيبت الحياة الاجتماعية ومعها الحياة التجارية بشلل شبه كامل. المبالغة في الحذر الناشيء عن احساس مستديم بالرعب الداخلي صارت سمة المسلك العام والخاص. ومن ذلك مثلا قالت احدى الامهات لمراسل «تلجراف»: «اذا سمحت لأولادي بالذهاب الى السينما فانني اشترط عليهم عدم الذهاب الى مطاعم او مجمعات تجارية». وبالاضافة الى تجنب الاسر للأماكن العامة بات شائعا الآن ان الاطفال الاسرائيليين يزودون بهواتف محمولة يطلب منهم ابقاؤها مفتوحة طوال الوقت! ويقول مراسل «تلجراف» اللندنية ان هاجس «الرعب المرضي» المنتشر في قطاعات المجتمع الاسرائيلي ادى الى رواج خدمات عيادات الطب النفسي بقدر ما ادى الى ركود في السوق الاستهلاكية التجارية. لقد شهدت العيادات النفسية مؤخرا ارتفاعا غير مسبوق في اعداد المترددين الذين يشكون من قلة النوم او القلق الحاد او الاحباط الشديد. وينقل المراسل عن طبيب نفسي ان الاسرائيليين باتوا اكثر شراهة في التدخين. أما في السوق الاستهلاكية فإن هناك تقلصا حادا في استهلاك البنزين بسبب اقتصاد الاسر في الخروج من البيت.. وانخفضت بالتالي اعداد مرتادي المجمعات التجارية والمطاعم ودور الترفيه عموما. ان اعداد العمليات الاستشهادية الناجحة التي نفذها شباب فلسطينيون لا تحسب بالمئات ولا حتى بالعشرات. فهذا الارتعاب العام الذي اصاب المجتمع الاسرائيلي بجميع قطاعاته وافرز ذلك الشلل العام للحياة اليومية الطبيعية، هو في الحقيقة نتاج عمليات استشهادية تعد بالآحاد فقط وقد وقعت بفوارق زمنية متباعدة.. فكيف يكون الحال اذا تسارع ايقاع مثل هذه العمليات فصارت بمعدل عملية كل اسبوع مثلا؟ اذا تطورت المقاومة الفلسطينية الى هذا المستوى فان الهجرة الجماعية المعاكسة ليهود اسرائيل الى الولايات المتحدة واوروبا سوف تبدأ حتما. فاليهود الاسرائيليون عموما ليست لهم جذور قوية تربطهم بالارض التي يقيمون عليها. من هنا نفهم تلك الدعوة الالحاحية التي يتشارك فيها شارون مع بوش واطراف عربية معينة الى «وقف اطلاق النار» أو «وقف العنف»، ومطالبة السلطة الفلسطينية باعتقال كوادر «حماس» و«الجهاد الاسلامي»!