هناك كلمات في اللغة يتغير معناها وتتحول دلالاتها بتغير الأزمنة وتحول مخترعات الإنسان وترقيها. ومن هذه الكلمات كلمة (وعثاء السفر) التي لاشك أنها فقدت الكثير من مدلولاتها القديمة، شأنها شأن غيرها من كلمات اللغة العربية، خصوصا تلك الكلمات التي كانت مرتبطة بحياة البادية، ومشتقة من مصاعب العيش في الصحراء والارتحال منها أو إليها.ومن الذي يمكن أن يتذكر الآن أن كلمة (دبابة) مثلا كانت تشير في الأصل إلى الحبو، وأنها من الفعل دب الذي يشير إلى نوع من الحركة في المشي، أو إلى نوع من المشي هو الذي تمشى به الحية، أو يمشي به على اليدين والرجلين معا، واتسع المعنى، ليشمل الدبة والدبيب والدابة على السواء. أما الدابة فهي مؤنث الداب وجمعها دواب وتصغيرها دويبة، وهي كل ما دب من الحيوان، وقد اتسع معناها ليشمل كل ما يركبه الإنسان من الحيوان أو يحمل عليه أثقال. ومن الدابة والداب جاءت كلمة الدبابة بتشديد الدال وفتح الباء، وهي الكلمة التي اكتسب معناها دلالة الأضداد، فتطلق على الشديد الدبيب من جهة، وعلى الضعيف الذي يدب في المشي من جهة مقابلة. ولكن غلب عليها معنى الشدة والقوة، وتأكد المعنى عندما أطلق مسمى الكلمة على آلة كانت تتخذ في حصار الأعداء قديما، وهي آلة كان يدخلها الجنود ليختفوا في جوفها كأنها حصان طروادة، ثم يدفعها الجنود إلى أصل الحصن فينقبونه وهم في جوفها. وعندما تطورت الاختراعات الحربية انتقلت الكلمة من الأداة الخشبية المصفحة إلى السيارة المصفحة التي تهجم على صفوف الأعداء، وتقذف من مدافعها ما يدمر العوائق، بل تقتحم هي الجدران مكتسحة كل ما يقف أمامها. وشأن الدبابة كلمة الوعثاء، ما سمعتها إلا وهي مقترنة بالسفر، في العبارة المعروفة (وعثاء السفر). وكنت كلما سمعتها تصورت صحراء تناوشها الرياح، وتتطاير فيها ذرات الغبار، وينقل المرتحل أقدامه بصعوبة وهو يتحرك مجهدا بين كثبان الرمل، وقدماه تغوصان في الرمل، وينتزعهما بصعوبة لتعود القدمان لتغوصا مرة أخرى إلى ما لا نهاية، في يوم قائظ، شمس حارقة، بلا ماء ولا ظل ولا راحة. ويبدو أن إيحاء الأصوات المتتابعة للأحرف الثلاثة: الواو والعين والثاء كان يؤكد في داخلي هذا الإحساس، ويثير في مخيلتي هذه الصورة المرهقة للسفر قديما. صحيح أنني أستبدل بهذه الصورة المرهقة صورة أقل إرهاقا يمتطي فيها المرتحل ناقة، أو حتى يمتطي فرسا كميتا، مكر مفر مقبل مدبر معا، كحصان امرئ القيس الذي شبهه بجلمود صخر حطه السيل من أعلى الجبل، ولكن المشقة والتعب والإرهاق والمعانات تظل مقترنة في ذهني بكلمة الوعثاء التي لاتزال أحرفها المتتابعة مقترنة بإيحاءات السفر القديم المضني. أذكر أنني أردت التأكد من سلامة تخيلاتي فبحثت عن أصل الوعثاء في معجم (لسان العرب) لابن منظور، فكان أول ما طالعني أن الوعث (بفتح الواو وسكون العين) هو المكان السهل الكثير الدهس الذي تغيب فيه الأقدام. قال ابن سيدة: الوعث من الرمل ما غابت فيه الأرجل والأخفاف (جمع خف) وقيل إن الوعث هو المكان اللين بوجه عام، لكن الغالب أنه غابت فيه الحوافر والأخفاف والأقدام من الرمل الدقيق. ولذلك وصفت العرب الأرض الرخوة التي تغيب فيها قوائم الدواب بأنها أرض وعث ووعثة، كما قالوا وعث (بفتح الواو وكسر العين) الطريق فصار كالوعث (بفتح الواو وسكون العين). وقالت العرب كذلك أوعث البعير أي وقع في الرمال اللينة الناعمة. وكعادة العرب في تشبيه المرأة السمينة بالكثيب من الرمال، تحدثوا عن المرأة الوعثة (بفتح الواو وسكون العين). وهي المرأة كثيرة اللحم التي تبدو الاصبع كأنها تغوص فيها من لينها وكثرة لحمها. وهذه علامة من علامات الجمال القديم والنعمة البدوية التي لا علاقة لها بالجمال المقترن بالنحافة والرشاقة. وقد مضت العرب على الأمر نفسه فتحدثت عن الأرداف الوعثة لهذه المرأة، إشارة إلى لينها، على نحو ما جاء في الرجز القديم المنسوب إلى رؤية: ومـن هـواى الرجـع الأثائـث تمليهـا إعجـازهـا الأواعـث وهو سطر رجز لا أكاد أنشده بيني وبين نفسي، أو أطالعه إلا وتخيلت هذه الكثبان الممتدة من الرمال التي يغوص فيها كل شيء، ولا ينال المرتحل فيها سوى المشقة، والتي دفعت العرب إلى أن يتحدثوا عن وعثاء السفر يقصدون بها شدته ومشقته. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وسوء المنقلب. والمقصود في الحديث هو الإشارة إلى مشقة السفر التي يستعين عليها المسلم بالدعاء إلى الله والتضرع إليه كي يعين عبده على تحمل مشاق السفر ومواجهة مفاجآته وكوارثه غير المتوقعة، فالأمر لم يكن أمر الرمال الناعمة التي تغوص فيها أقدام الإنسان وحوافر الخيل وأخفاف الإبل فحسب، وإنما كان أمر المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها المسافر في الفلاة الموحشة، سواء كانت هذه المخاطر بسبب حيوان غادر مفترس، أو بسبب عدو متربص، أو بسبب لصوص أو قطاع طرق يقطعون على المسافرين طريقهم ليسلبوهم كل شيء بما في ذلك حياتهم. ولذلك كان التضرع إلى الله سبحانه وتعالى أمرا حتميا للمسلم الذي لا يملك سوى أن يلوذ بخالقه ليعينه على مشقة السفر ويحميه من مخاطره التي تؤدي إلى كأبة المنقلب. ولا أعرف لماذا تتداعى على ذهني الكثير من الصور البدوية القديمة كلما ركبت طائرات دول الخليج ؟! هناك بالطبع الشاشة التلفزيونية التي يظهر عليها حديث الرسول الكريم مع أول انطلاق الطائرة، وصوت المذيع الرخيم وهو يقرأ الحديث بصوت رخيم. وفي مرات كثيرة، ضبطت نفسي أتأمل معنى الحديث الكريم، وابحث عن (وعثاء السفر) في الطائرة فلا أجد شيئا من ذلك، لا مشقة ولا مصاعب ولا رمال ناعمة تغوص فيها الأقدام أو الأخفاف أو الحوافر، بل مقاعد وثيرة، ومضيفات حسناوات، وأصوات موسيقى ناعمة ونسيم منعش يحيط بالأوجه، خصوصا بعد أن تغادر الأصابع ملمس المناديل المعطرة. من الذي يمكن أن يفكر في هذا النعيم المحدث في كلمة (الوعثاء) القديمة سوى متخصص في اللغة العربية وآدابها كالعبد لله ؟ ومن ذلك الذي يمكن أن يقارن بين الرمال التي كانت تلامسها أقدام الناقة، أو تمر عليها، وطيات الهواء والسحاب التي تلامسها الطائرة وتقتحمها ؟ فقدت الكلمة القديمة الكثير من معانيها القديمة، واختفت من الذاكرة الجمعية كل التداعيات المرتبطة بالرمال الناعمة التي تغوص فيها الأقدام والحوافر والأخفاف، وبقيت التكنولوجيا الحديثة المرتبطة بالمخترعات التي قهر بها الإنسان الطبيعة، وسخرها لخدمته، ليقضي تماما على وعثاء السفر والارتحال، ولذلك تداعت المسافات، وتقلصت الأوقات، وتغير معنى الزمان بقدر ما تبدل معنى المكان، واصبحت الرحلة التي كانت تستغرق الأيام بل الأسابيع تنتهي في دقائق معدودة أو ساعات محدودة، بلا وعثاء ولا وعث. وبقى معنى الدعاء الجميل المتضمن في الحديث النبوي، لكن الذي لم نعد نتخيل به صور الصحراء المنهكة، وإنما صور المصير الإنساني التي لا يعلمها إلا الله، وسوء المنقلب الذي يمكن أن يقع في أية لحظة، فيتذكر المسافر أن الإنسان مهما عز شأنه، ومهما اخترع من مخترعات، ومهما سخر الطبيعة لخدمته، يظل كائنا بالغ الصغر، في الكون اللانهائي الذي يشير كل شيء فيه إلى خالقه، وأن على هذا المسافر أن يحمد الله على ما خلقه فيه من عقل اخترع به ما اخترع، وأدرك به فيما أدرك أن سفره في الهواء لا يخلو من احتمالات الخطر في كل لحظة، كالحياة نفسها التي يمكن أن يقتحمها الموت في أية لحظة، ويظهر فيها سوء المنقلب في أي وقت. وعندئذ لا ينجينا سوى ما سبق أن فعلناه من خير لمن حولنا، وما أضفنا به إلى ما سبقنا، حتى لو تحملنا في ذلك وعثاء الحياة القاسية التي نحياها حتى لو لم نعرف ما عرفه السابقون من وعثاء السفر.