يتناسى كثيرون ان حديث النميمة مذموم وملعون دينيا وأخلاقياً، وأن الناطق به لسانه يقترب بجرمه من أكلة لحوم جثث الموتى، لأن انتهاك حرمة وخصوصية البشر في غيابهم يعادل الاغتيال بل يزيد، فماذا أقسى على الإنسان من تشويه صورته، دون امتلاكه حق الرد أو الدفاع عن نفسه. لكن شهوة حديث النميمة تجتذب كثيرين، ربما من جانبها المثير والفضائحي والمشبع لنزوات شيطانية، ترضي لدى البعض الرغبة المستحيلة في الوقوف كأشباه الأبطال أو مسوخهم على أشلاء ضحاياهم، واستهدافهم انطلاقاً من غيرة قاتلة، أو تنفيساً لعقد نقص، أو تعبيراً عن «عدمية» و«عبثية» تجاه العالم، وتجسيداً لخواء روحي ونفسي واختلال في الرؤية. وعلى الجانب الآخر، يروج سوق حديث النميمة لدى جمهور متعطش لسماع الأسرار وفض غشاء الغموض، وحل معادلات تستعصي على الفهم، وتجيب عن تساؤلات، مشروعة وغير مشروعة، بشأن صعود وهبوط أسهم شخصيات وضعت فجأة في قلب دائرة الضوء، وتم ترويجها كنجوم للمجتمع، وأخرى اسدلت عليها أستار التجاهل والنسيان، فجأة دون مبررات واضحة ومفهومة. على ان أخطر أحاديث النميمة، تلك التي تستشري في أوساط النخب المثقفة، الإعلامية والسياسية والفنية، فهي وقود سريع الاشتعال وزهيد التكلفة يوفر لعجلة صنع الاخبار والنجوم والشهرة الدوران بأرخص الأسعار، فما أسهل اطلاق الشائعات، ورواية الحكايات وسرد الأسرار، دون اهتمام بمدى مصداقيتها، لأن المصداقية غالباً ما تغيب عن مجالس النميمة. وبعيداً عن البحث حول مبررات ازدهار صناعة النميمة التي تكاد تكون ظلاً لأجواء انعدام الحرية الحقيقية وتداول المعلومات، ولصيقة بفترات الانحطاط وشيوع الفساد بأنواعه، بعيداً عن ذلك تبرز أحياناً نوعيات من «النميمة» الايجابية أو تلك الأحاديث التي تغامر بالخوض في الممنوع ولا تعترف بالمحظور، الذي يصادر على الانسان حقه في المعرفة، ونظلمها عندما ندرجها ضمن دائرة النميمة الملعونة، لكن أديباً مرموقاً لم يجد عنواناً لكتابه الممتع والجريء سوى «كتاب النميمة» ربما لأن مادته كلها من نوعية الأسرار السوداء والمجهولة عن سير عدد من كبار المثقفين، تفضح بفحش سلوكهم من سطو على أعمال البعض بمقابل وبدون مقابل، وادعاءات لمهارات وقدرات لم يمنحها لهم الخالق، ولم يسعوا بدأب لاكتسابها، وسلكوا مسالك مخزية لتبوؤ مواقع هم دون قيمتها بكثير. واعترف انني أعدت قراءة كتاب «النميمة» للأديب والمحقق المبدع سليمان فياض مراراً، ولكن قراءتي له مؤخراً، خلت من الاندهاشة التي كانت تصاحب قراءاتي السابقة له، وتحيرت بحثاً عن السبب. وأخيرا.. وجدت أن ما أجهد صاحب كتاب النميمة نفسه في جمع مادته باعتبارها نقائص غير معلومة لعدد من كبار المثقفين، صار للأسف لا يقابل باشمئزاز من أحد، وبات من المعايير العادية والسلوكيات المألوفة لكثرة اتيان البعض له، واعتباره لازمة للصعود السهل والسريع والنجومية المفاجئة. وأرجو ان أكون مخطئاً، وتستعيد حاسة الاندهاش والرفض لتلك النقائص عافيتها خصوصاً في أوساط نخبتنا المثقفة.