في العالم اثنا عشر مليون يهودي. ونصف هذا العدد يهود أمريكيون. واذا كانت الموسوعات الشائعة الانتشار تقول لنا ان عجائب الدنيا سبع، فان من الجائز اضافة «عجيبة» ثامنة اليها تتمثل في السؤال التالي: كيف تتحكم بضعة ملايين يهودي في مئات من الملايين في الولايات المتحدة من غير اليهود يمثلون الاغلبية الساحقة من السكان الذين ينتمي معظمهم عرقيا وثقافيا اما الى الأنجلو ـ سكسونية أو اللاتينية ودينيا الى المسيحية؟ هذه هي الحقيقة العظمى التي يجب ان نستحضرها عند تفحص ذلك الموقف العدواني العنيد الذي تتخذه الولايات المتحدة رسميا تجاه االمؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية الذي يعقد عند نهاية اغسطس الجاري في مدينة ديربان بجنوب افريقيا تحت اشراف الامم المتحدة. ان واشنطن تشترط لمشاركتها في هذا المؤتمر ان يشطب من جدول الاعمال المقترح لهذا التجمع الدولي مشروع قرار تتبناه عدة دول من بينها دول عربية يدمغ اسرائيل بأنها دولة عنصرية، فاذا كانت الولايات المتحدة تبدو من خلال هذا الموقف الغريب كمدافع شرس عن الدولة الاسرائيلية الصهيونية، فانها في ذات الوقت تقف ايضا موقف المدافع عن نفسها كدولة عظمى يحكمها اليهود. ان الادعاء اليهودي بأن اسرائيل هي النموذج الأوحد للحرية الحقيقية والمساواة وسط محيط عربي استبدادي، وأنها بالتالي «واحة ديمقراطية»، يهزمه تلقائيا ذلك التشريع الاسرائيلي الاساسي الذي يطلق عليه «قانون العودة»، هذا التشريع يمنح لأي يهودي يقيم خارج اسرائيل الحق في المواطنة الاسرائيلية تلقائيا بمجرد ان تطأ قدماه الارض الاسرائيلية.. ولا يتمتع بهذا الحق اطلاقا غير اليهود من اي عرق او جنسية كانوا. اسرائيل اذن دولة يهودية ولليهود.. دولة لعنصر واحد من البشر هو العنصر الغالب والمهيمن. ولم نذهب بعيدا.. فالسبب الأوحد الذي ينعقد عليه الاجماع الاسرائيلي حاليا في رفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين، هو الخوف من ان تتغير «الهوية اليهودية» للدولة الاسرائيلية. بناء على هذه الحقيقة، التي لا يتستر عليها ساسة اسرائيل ولا ينكرونها بل يصدعون بها تبجحا، فان مشروع القرار المقدم الى مؤتمر ديربان العالمي لا يحمل في الحقيقة أي شيء سوى تقرير امر واقع وماثل. لماذا اذن تغضب واشنطن وتتصلب مشترطة سحب مشروع القرار والا فانها ستقاطع المؤتمر؟ الاجابة الظاهرية الفورية هي بالطبع ان الولايات المتحدة ترى ان من موجبات توجه سياستها الخارجية ان تحمي الدولة الاسرائيلية من اية محاولة للتشهير بها على مستوى عالمي. لكن اغلب الظن ان الساسة الامريكيين يشعرون ايضا وكأن مشروع القرار موجه ضد الولايات المتحدة نفسها. فأقطاب الحركة الصهيونية الذين يرعون الدولة الاسرائيلية اليهودية هم نفس الاقطاب من اليهود الامريكيين الذين يحكمون امريكا سياسيا من خلال ما يتمتعون به من نفوذ داخل مجالس الكونجرس المتعاقبة والادارات الأمريكية. واقتصاديا من خلال السيطرة اليهودية على مفاتيح رأس المال في القطاع المصرفي والمالي الذي يمثل العمود الفقري في حركة الاقتصاد الوطني الامريكي عموما. والشيء بالشيء يذكر: لقد خرجت مظاهرة ضخمة في بريتوريا عاصمة جنوب افريقيا قوامها اغلبية السود هناك تندد بأمريكا واسرائيل معا في سياق الموقف الامريكي من مشروع القرار الذي يدفع اسرائيل بالعنصرية. فالمظاهرة اعادت الى اذهان العالم ذلك التاريخ القريب عندما كانت جمهورية جنوب افريقيا حتى اوائل التسعينيات دولة قائمة على نظام عنصري معلن، تتولى السيطرة الكاملة على الحكم والثروة فيها اقلية البيض في مواجهة اغلبية السود. هنا يقول لنا التاريخ القريب انه بينما كان العالم كله يفرض مقاطعة على النظام العنصري في جنوب افريقيا من خلال قرارات دولية، شذت كل من امريكا واسرائيل عن ذلك الاجماع الدولي في عقد تحالف استراتيجي مع ذلك النظام البغيض.