اربعون عاما مرت على بناء جدار العار.. جدار برلين الفاصل بين الغرب الليبرالي والشرق الشيوعي، اربعون عاما منذ يوم 13 اغسطس 1961 حين استكمل الرئيس الشيوعي لما كان يسمى بألمانيا الشرقية بناء هذا الجدار الرهيب الذي قسم احياء مدينة برلين العاصمة التاريخية الكبرى للجمهورية الالمانية الموحدة، وقسّم بين العمارات وبين المنزل وحديقته وبين الجار وجاره وبين الاب وابنه، في عملية عجيبة من عمليات اخضاع التاريخ لمنطق السياسة وتدليس الحقائق وطمس الواقع. اربعون عاما استحقت احياء ذكرى بناء الجدار من قبل كل شرائح الشعب الالماني، وهي مناسبة في الحقيقة للاحتفال بانتصار ارادة الشباب الالماني الذي هب يوم التاسع من نوفمبر 1989 كالرجل الواحد لتحطيم جدار العار، بالمعاول والفؤوس والايدي والارجل حتى انهار وانهارت معه الحرب الباردة بل وانهارت العقيدة الماركسية ووقع اكبر واعظم منعرج في تاريخ الانسان المعاصر بظهور العولمة التي هي اساسا الغاء الحدود والجمارك والقوميات الضيقة والايديولوجيات المتطرفة، لتحل في العالم عقليات اخرى بلورتها ثورة الاتصالات وكرستها رياح الحريات. وقد اتيح لي ان اقضي يوما فيه على اطلال جدار برلين، ورجعت الى ذهني ذكريات ايام بنائه «صرحا شامخا»، كما قال رئيس المانيا الشرقية آنذاك اريك هونيكر غايته الفصل بين جنة طبقة الشغيلة الكادحة وبين الامبريالية! وتذكرت مغامرات الشجعان من المواطنين الالمان الذين تحيلوا لاختراق حدود تلك «الجنة الاشتراكية» ومات منهم مئة من الرجال والنساء والاطفال والشيوخ وهم يحاولون الالتحاق «بجحيم الامبريالية» منهم من صنع طائرة كرتونية هوائية او منطادا تقليديا ومنهم من حفر نفقا طوله 300 متر تحت جدار العار، ومنهم من تعلم القفز الاولمبي لينط بعصا من فوق الجدار ويتحول في لحظة من المانيا الشرقية الى المانيا الغربية، ومنهم من نجح ومنهم من اطلقت عليه نار الحرس فمات حريقا، ومنهم من القي عليه القبض ليقضي سنوات في زنزانات «ستازي» اي البوليس السياسي الشيوعي. كنت اطوف حول نقطة العبور «شارلي» التي كانت احدى نقاط الجدار السبع المفتوحة والتي يعبر منها مسئولون او عسكريون بتصريح للتفاوض حول ادارة مدينة كبرى كمدينة برلين، بالرغم من قسوة التقسيم وتراجيديا تفرق العائلات، وكنت استعيد ذكرى يوم 9 نوفمبر 1989 حين سقط الجدار وتوحد الالمان، وحقق الموسيقار الروسي العالمي روستروبوفتش امنيته المعروفة حينما اقسم عام 1961 ـ عام بناء الجدار ـ انه سيعزف يوما ما موسيقاه على انقاض الجدار. ويا لها من رؤية مستقبلية ثاقبة يتمتع بها فنان ولم تكن متاحة لرؤساء الدول، فالرئيس الراحل الفرنسي فرنسوا ميتران تحدث في مؤتمر صحفي تلفزيوني في عام 1988 قبل عام من انهيار الجدار قائلا: «لا اعتقد ان سقوط الجدار امر ممكن اليوم، فهذه قضية الاجيال القادمة..» وكان ميتران يراها بعيدة جدا، ولكن التاريخ المسرع الخطي يراها قريبة جدا، ومع التاريخ نجد هذا الموسيقار الروسي العبقري الذي سارع الى برلين يوم 15 نوفمبر 1989 وجلس على كرسي خشبي متواضع وعزف على كمنجته لحنا سماه «انهيار الجدار» امام عدسات التلفزيون وصور الصحفيين، وظحك جمهور العالم حين شاهد مباشرة على شاشات الفضائيات سيدة المانية تمر امام الموسيقار الشهير وتعتقد انه من اولئك المتسولين بالموسيقى والمحتاجين الى صدقة، فترمي امامه بقطعة نقدية من فصيلة المارك مصحوبة بابتسامة رضى عن تلك الالحان! وقد ذهبت الى احد شوارع برلين لارى بعض ما تبقى من اثار الجدار من اساسه اي تحت الارض، لان كل الجدار فوق الارض ثم توزيعه كأنه احجار كريمة على زوار برلين وضيوف الحكومة الالمانية وآخر قطعة كبيرة من الجدار تم ارسالها عبر القطار ثم عبر البحر الى كوفي عنان الامين العام لمنظمة الامم المتحدة من قبل المستشار الالماني، كهدية سوف يضعها في حديقة المنظمة كنصب تذكاري يبقى خالدا وشاهدا على حماقة السياسة وقوة ارادة الشعوب. وفي شارع موهلن شتراس حافظت بلدية برلين على جزء من الجدار قام رسامون المان برسم لوحات عليه من وحي نكبة الشعب الالماني على مدى خمسين عاما حتى تظل حية في ذاكرة الاجيال الحاضرة والقادمة. ومما يسترعي الانتباه ان الدعاية الصهيونية فرضت حضورها الغريب في ذكرى الاحتفال ببناء الجدار حيث تم تعليق يافطة ضخمة احدثت ضجة في الاعلام الالماني والاوروبي، وهي يافطة كتب عليها بالالمانية «المحرقة لم تقع ضد اليهود»، وتحت هذه العبارة المستفزة نقرأ عبارة: «كما يعتقد بعض الناس»! وطالب اليهود بعدم تعليقها فوقع انزالها حتى لاتؤدي تلك اليافطة عكس ما قصد اليهود من وظائف الدعاية والتضليل. وفي حي آخر من احياء برلين قام النازيون الجدد بعقد اجتماع احتفالي بمرور مئة عام على ميلاد الزعيم النازي رودلف ميس الذي يعتبر المساعد الايمن للزعيم ادولف هتلر، هؤلاء النازيون الجدد اغلبهم الساحق من الشباب حليقي الرؤوس الذين يربو عددهم على 800 شخص كانوا يعلنون جهارا انتماءهم للحزب النازي الهتلري ويرفعون ايديهم على الطريقة النازية ويهتفون بشعارات «الموت للاجانب والسود والعرب واليهود» وذلك على مرمى حجر من مقرات الاحزاب التقليدية ومراكز الشرطة. ان برلين عاصمة العجائب تطمح اليوم الى ان تكون عاصمة الاتحاد الاوروبي ـ وهي عاصمته الاقتصادية والمالية والالكترونية بلاشك ـ لكن الاتحاد الاوروبي وخاصة بجناحيه الفرنسي والبريطاني لايزال يخشى هذا التعملق الالماني الذي يحن الى عهد بسمارك وعهد هتلر في نوع من انواع احلام اليقظة والامل في تحولات جديدة في تاريخ العالم تؤهل المانيا الى الزعامة فمن يدري!؟ ـ استاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر