ما هذا الذي يجري في مصر؟ ثلاثة رجال من صنف الأشاوس، أو قل ثلاثة رجال من فصيلة الشحط كل منهم يعرش على زريبه. كمنوا في الحقل وهم مسلحون وعلى أهبة الاستعداد لبدء انتفاضة البدرشين، ولمواجهة الجنرال السفاح طالب الاعدادي ابن الثانية عشرة أحمد دسوقي عبد التواب، الذي كان عائدا من الحقل مع أمه، مجرد طالب صغير ليس له في الطور ولا في الطحين،وفجأة يخرج عليه جنية الأشاوس من الحقل، أحدهم يشهر مسدساً والآخران يحمل كل منهما بلطة يبرق نصلها تحت ضوء الشمس. صاحب المسدس يضع فوهته على رأس الأم، والفدائيان الآخران ينهالان على رأس الطفل، وينتهي الأمر كله في دقائق، يسقط الطفل قتيلا غارقا في بركة من دمائه، وتصاب الأم بالجنون بعد أن رأت بعينيها مصرع ابنها الطفل. ما هذا الذي يجري في مصر؟ حتى عمليات الثأر إنحطت إلى هذه الدرجة؟ زمان .. جرت العادة أن يختار الساعي إلى الثار كبير العائلة التي يريد الثأر منها، ويستحسن أن يكون أكبر أفراد عائلته وأكثرهم وجاهة ويكون أفضل لو كان أكثرهم نفوذا. ما الذي إنحدر بالثأر إلى هذه الهيافة؟ ثلاثة من (الشحوطة) مسلحون بكل أنواع الأسلحة لقتل طفل للانتقام من أبيه المحبوس احتياطيا. وما ذنب هذا الطفل؟ هل له ضلع في عملية القتل؟ هل كان المرحوم لا يساوي في سوق الرجال أكثر من هذا الطفل؟ الغريب أن الأم خافت على ابنها الأكبر، الذي هو في المرحلة الثانوية، فمنعته الخروج من المنزل. لم تكن تدري بالتطورات التي أصابت عملية الثأر في عصر نواب القروض ونواب تأشيرات الحج، زمن رجال الأعمال الخافين، زمن الحباك والعيوطي والريان والسعد! هل هي جريمة مادية ـ جريمة أخذ ثأر؟ وهل تكفي المواد الموجودة في قانون العقوبات لمواجهة جرائم الثأر؟ العبد لله يرى أن جريمة قتل الطالب أحمد هي جريمة ثأر تحتاج إلى وضع قانون جديد. وهي تاريخية لأنها نقطة إنحراف على طريق طويل .. طريق كانت له تقاليد ولعبة كانت لها قواعد وهي إهانة لحقت بكل الذين سبقوا من مجرمي جرائم الثأر. إنها إهانة لأدهم الشرقاوي .. ويجب محاكمة السادة الأشاوس الذين قتلوا الطفل أحمد أمام أمه بتهمة الجبن الذي ليس له شبيه في التاريخ، إلا الأشرس شارون، الذي قتل جنوده الطفل محمد الدره وهو في حضن أبيه. شكرا للسد المنظر الذي رأيته على شاشات القنوات التلفزيونية العالمية لشوارع الخرطوم، وحقول السودان الممتدة على جانبي مجرى النيل، يجعلنا نحتفل بالسد العالي ليس مرة كل عام، ولكن مرة كل يوم .والعبد لله شاهد بعينيه ما فعله الفيضان في مصر زمان. كان المنادون يجوبون شوارع الجيزة ونحن نيام يرددون بصوت عال شعارا .. «البحر فاض غرق البلاد .. عوف الليل .. أصحه يا نايم عوف الليل».. وكانت السلطة المصرية تأخذ الناس للعمل على شواطئ بالسخرة، إذ كانت أعداد المتطوعين لا تكفي وحضرت جلسات ندب أو نياحه كانت تحييها الحاجة درباله أشهر ندابة ليس في الجيزة وحدها، ولكن ربما في مصر كلها. كانت خلال فترة جموح الفيضان تندب الذين أكلهم النهر والذين اجتاحهم الفيضان وأذكر مرة ونحن أطفال أننا انشغلنا عدة أيام في صيد السمك، أو بمعنى أصح في التقاط السمك في شارع الفاتح وفي ميدان الشرفاء، وكان الفيضان، قد أغرق نصف مدينة الجيزة على الأقل. وأذكر أنه كان على شاطئ النهر، وفي مواجهة مركز شرطة الجيزة الموجودة في نفس المكان حتى الآن أذكر أن ورشة لبناء المراكب الشراعية كانت تحتل الشاطئ في هذه البقعة بالذات، وحدث ذات عام أن الفيضان اكتسح الورشة ودفع بالمراكب الموجودة إلى الطريق العام. وكانت فرصة ذهبية أمام الأطفال لركوب المراكب التي كانت تطفو دقيقة ثم تعود للغوص في الطين. وفي صباح اليوم التالي عندما ذهبنا لممارسة لعبة المراكب في حواري الجيزة، لم نجد لها أثرا، وتصورنا أن أصحاب الورشة استأجروا فريقا من الفتوات حملوا المراكب وأعادوها إلى النهر. ولكننا اكتشفنا بعد فترة أن أهل الجيزة هم الذين استولوا على المراكب باعتبارها غنائم وكانوا يطلقون على باب خالتي أم كامل باب المركب، وعلى شباك عم قطب .. شباك المركب. الحمد لله على السد العالي، والفاتحة على روح البطل الذي شيده.