الغريب الأول رجلٌ رجلٌ لا يقبل ان يقف إلا في مواقف الرجولة ان استطاع صدع بالحق وان لم يستطع لم يسر في ركاب الباطل، بل لزم بيته وأصلح خاصته ولم يعرض نفسه ما لا يطيق من الفتن. الغريب الثاني شاعر حقيقي الشعر عنده جمرة في جوفة تؤرقه ليله ونهاره، والقصيدة عنده احتراق لا يفوح بخوره إلا طيبا وهي عُودٌ لا يزيد الاحراق إلا طيبا، شاعر ليس له لُهاث المتشاعرين الراكضين وراء الشعر يتعلقون به وهو ينفض ثيابه منهم، وهم ينتسبون إليه، وهو يتبرأ منهم، وهم مدعون يتكسبون بأشباه الشعر من الكلام، تراهم على الأبواب الكبيرة يترددون حتى يؤذن لهم فإن أذِن لهم قالوا ما لا يعتقدون وأظهروا حب من لا يحبون أولئك هم المدّاحون الذين قال عنهم رسول الأمة في الأثر: «إذا جاءكم المدّاحون فاحثوا في وجوههم التراب». الغريب الثالث عالم يحمل القرآن في صدره والحديث وعلومه في حناياه، واللغة العربية في شغاف قلبه، والسيرة الشريفة في عين بصره وبصيرته، وهو مع كل ذلك واهب نفسه لتعليم سواه، كل ذلك في زاويةٍ من زوايا العلم وطَلَبِهِ يأتيه من يعرفه ومن يسمع به، لا يرتقي المنابر فيخطب خطباً رنّانة، ولا يعرف لوسائل الإعلام طريقاً يطلب فيه شهرة ومالاً، بل هو ذلك الذي لو شئت قلت هو المقصود بكلام رسول الأمة: «رب أشعث أغبر مدفوعٌ بالأبواب لو أقسم على الله لأبَرهُ». الغريب الرابع معلم من أبناء هذا الوطن وهب نفسه للتعليم ليس إلا، لم يتاجر في رُخَصٍ تجارية ولا تأشيرات دُخول، ولم يبع أرض بلده للغرباء، ولم يشيد بِنايةٍ بربا البنوك، ويتاجر بأرخص السلع الهالكة في مستودعات شرق آسيا ليبيعها بالدرهم والدرهمين، وهي لا تساوي الفلس والفلسين، ثم ماذا، إنه بعد ذلك لا يجد في نصف الشهر في جيبه من راتبه إلا ما لا يبقي لآخره. الغريب الخامس رجل يأتي عليه الصيف بل الصيف بعد الصيف، وهو لا يعرف للسفر طريقاً، فإذا سئل قال من لا يجد أن يأكل خبزا كيف له ان يأكل الحلوى؟ إنني لا أملك إلا ما أشتري به الضروري لأولادي فكيف لي ان أتلذّذ بحلوى السفر؟ الغريب السادس صاحب منصب لكي تدخل عليه لا يحتاج إلى واسطة ولا إلى معرفة مدير مكتبه ولا إلى ان تكون وجيهاً ولا أن تكون صاحب منصب ولا أن تكون رجل أعمال ثرياً ولا أن تكون ابن فلان، انك تحتاج إلى تحديد موعد معه عن طريق سكرتير مكتبه ويكون ذلك موعداً حقيقياً. الغريب السابع رجل كلما قيل له لم لا تذهب إلى فلان وفلان فلعله سهل لك أمورك وأعطاك وقضى حاجاتك؟ يقول.. بل سأذهب وأقف بباب من رزق فلاناً وأعطاه، فإن الذي أعطى فلاناً خلقني كما خلقه، فكان ذلك قمة الإيمان. الغريب الثامن رجل يعشق ثرى بلده ويعلم أبناءه ذلك وهو لا يجد على أرضه في بلده قطعة أرضٍ يبني عليها مسكناً. الغريب التاسع طبيب يمضي من عمره سنين كي يكون كفاً رحيمة تمسح الأسى عن جبين المرضى فيكون جزاؤه راتباً متواضعاً يأخذ موظف عظيم البطن قاعد على كرسيه الوثير في احدى الدوائر الكسولة أكثر من راتبه. الغريب العاشر كان معنا في المرحلة الثانوية طالبان أحدهما متفوق ذكي، مرموق لذكائه وتفوقه من الجميع من زملاء الدراسة، وطالب آخر فاشل فوضوي مهمل لكنه يحب الكرة يلعبها طوال يومه حتى إذا كبر الطالبان صار الأول بعد تخرجه بامتياز موظفاً في احدى الوزارات خاملة الذكر، وصار الآخر لاعباً مرموقاً لا يحلم بما لديه ذلك الذكي العبقري الذي لم يأبه به المجتمع مثلما تنبه واحتفى بلاعب الكرة.