لم يكن ما اقترحه وزير خارجية حكومة شارون العمالي «شيمون بيريز»، الذي قدمه لمبعوثي الإدارة الأمريكية مؤخراً، بدعوى وقف إطلاق النار التدريجي، مجرد فكرة آنية، ونتيجة للظروف الراهنة التي يعيشها الكيان بسبب استمرار فعاليات انتفاضة الأقصى، بل هي فكرة عمالية أرسى قواعدها إسحاق رابين، الذي لم يسعفه الحظ بإطلاقها من على إحدى الطاولات التفاوضية في هذه العاصمة الغربية أو تلك، بسبب الغيلة السياسية التي وجهها اليمين الإسرائيلي المتطرف له. وبقيت هذه الفكرة حية متقدة في ذهن ايهود باراك، الذي كان ولا يزال، يسمى بالنسبة لليمين الديني والقومي الإسرائيلي بـ «جرو رابين» ، أو إذا شئت، كان الأوضح في التعبير عنها، والتي تتلخص في ضرورة الوصول إلى فصل البنى التحتية بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية في مدى أقصاه ما بين 3ـ5 سنوات، وجل ذلك الفصل يتلخص في مجالات التجارة والقوة العاملة .وقد ارتكز في ذلك إلى افتراضية تقوم على أن العلاقات الاقتصادية مع السلطة الفلسطينية تستند إلى إقامة كيانين سياسيين منفصلين، وهذه القضية برمتها ستفرضها التطورات الجارية على الأرض، والتطورات في العملية السياسية ذاتها، دون أن يحدد حينها مساحة الكيان الفلسطيني وعلى أية أرض سيشيد . وقد أكد المدير العام لديوان رئيس حكومة باراك يوسي كوتشيك يومها، كرد على عملية الفصل بأنها فرضت على اسرائيل . وأضاف أن أي عملية ستقوم بها اسرائيل في تلك المرحلة ستكون إلى حد معقول رداً على عمل ما ولن تخلق وضعاً لا يطاق في مناطق السلطة الفلسطينية، والهدف النهائي برأي كوتشيك هو الوصول إلى «فصل مع اتفاق وتجارة حرة بين اسرائيل والفلسطينيين انطلاقاً من مبدأ التفاهم» .دون أن يسقط الحقيقة القائلة بأن اقتصاد السلطة الفلسطينية مرهون بدولة اسرائيل .ودون أن يقفز عن الحقيقة المقنعة بعض الشيء بأن هناك فصلا اقتصاديا قائما، وإذا ما بقي الوضع الأمني على حاله فسيتعزز نظراً للاعتبارات الأمنية وحسب، انطلاقاً من أن عرفات الذي لم يسلم أوراقه لباراك، ليس شريك للسلام، على حد زعم باراك، ومدير مكتبه كوتشيك، وإنما شريكاً لحرب، باعتبار أن عرفات «يريد الوصول الى نهاية المفاوضات بالقوة والعنف، يريد الوصول إلى دفع الأمريكيين خارجاً، والى جلب قوات دولية لتدويل النزاع - وهذا أمر لن نسمح به» حسب زعمهم طبعاً. .لكن بصرف النظر جزئياً عما تقدم لا بد لنا من الاعتراف أن شيمون بيريز مهندس سياسة المراحل، أو بكلام آخر مهندس سياسة المرحلة، باعتباره الأقدر على تمرير سياسته على المستوى الفردي وسياسة حزب العمل، فما أخفق فيه رابين وايهود باراك، يحاول بيريز تمريره بشكل هادئ وسلس، من خلال عناوين إنسانية وحلول مرحلية أو جزئية .لكن بذات الأدوات والطرق السابقة، فما قام به باراك بالإيعاز بتوسيع المستوطنات بدلاً من تجميدها مثل رابين، وعدم تنفيذ الاتفاق المرحلي الذي وقعت عليه اسرائيل، والتهرب من الانسحاب الثالث، يعتبر القاعدة التي ينطلق منها بيريز على أساس من اعتبارها ثابتاً من ثوابت حزب العمل لجهة حل المشكلة مع الفلسطينيين على الأرض وحسب. ولهذا السبب بالذات، يحاول بيريز الالتفاف على كل المطالب الفلسطينية، بوقف النار التدريجي على أساس المناطق، بحيث يتم البدء بـ «غزة أولاً» تمهيداً لبدء فترة التهدئة المطروحة في خطة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جورج تينت والانتقال لتطبيق توصيات لجنة ميتشل، والتي تعفيه من التطرق إلى الاستيطان والقدس دون أن يتجاهل أو يسقط من حساباته الدقيقة، حالة التواصل أو التناغم مع عدد من نواب الليكود والعمل والوسط، الذين يعتزمون تقديم خطة الفصل بين اسرائيل والفلسطينيين هذه الأيام. أي أن عرض بيريز مبادرته على المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد والسفير الأمريكي دانيال كيرتزر، لم تكن وليدة اللحظة بهدف البحث عن حلول وسط ترضي الفلسطينيين نسبياً للعودة إلى تطبيق ما كان قد اتفق عليه، إنما اختزال لتراكم من سياسات العمل الأكثر التباساً، والتي أرضت ولا تزال في جوهرها الكثير من ممثلي اليمين الديني والقومي في اسرائيل . باعتبار أن مثل هذه الطروحات لا تمس، لا من قريب ولا من بعيد، بثوابت السياسة الإسرائيلية الاحتلالية، ولا تمس بجوهر القناعات حتى الاعتقادية منها عند الليكود والوسط، فما أخفق فيه باراك بتسرعه وعدم درايته، وشارون بتطرفه وغبائه، يحاول بيريز أن يخرجه بسيناريوهات تظهر للبعض العربي والدولي أنها حلول مرحلية ليست مرضية وحسب، بل مقبولة لوقف نزف الدم الفلسطيني، والإسرائيلي ووضع حد لحالة الاحتراب التي خرجت عن إطار المألوف، لتدخل مرة أخرى في حيز المجهول الذي ينذر بعواقب خطيرة على الأمن الإقليمي والدولي بشكل عام، وبما يقدم للآخر صورة ملتبسة حول سياسة القمع والقتل والتدمير المنظم للبنى الفلسطينية باعتبارها سياسة عقلانية مفروضة وليست مختارة. لكن السؤال: هل سيتوقف بيريز عند حدود ما قد سبق من أهداف ؟ أم أن هناك نوايا وخططا قادمة تنذر بالكثير من المخاطر على مستقبل الفلسطينيين والعرب ؟ بداية يمكننا القول أن خطة بيريز تهدف إلى وضع الفلسطينيين على المستوى السياسي، بين المطرقة والسندان، في ذات اللحظة التي لا تقدم إلا حلولاً أمنية منتقاة، هدفها تقسيم المناطق والمدن الفلسطينية إلى جزر أمنية متناثرة، بهدف ضرب التواصل اليومي بينها، وجر أجهزة السلطة الأمنية على أن تكون شريكاً في هذه العملية الجهنمية .ولعل هذا تمثل حسب المبادرة، في بحث الطرفين على انفراد سبل وقف إطلاق النار في غزة ونابلس وبيت لحم وأماكن أخرى، باعتبارها الأماكن التي تمتاز بالكثافة السكانية وصاحبة الفعل الانتفاضي اليومي، أي وأد الانتفاضة، وتخفيض مستوى أدائها إلى أكثر من 85% حسب لغة الأرقام السياسية، وبما يضمن توزيع وتشتيت قوى السلطة ومؤسساتها، في هذا «البنتاستون» أو «الكنتون» وذاك، وفض حالة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي خلقتها الانتفاضة على الأرض والتي قارب عمرها على السنة .بالإضافة إلى العودة من جديد لنغمة «أولاً» لكن هذه المرة أغفلت أريحا من المعادلة باعتبارها من منطقتي يهودا والسامر، أو محاذية لهما والأمر سيان، ليختزل جل الأمر بـ «غزة أولاً»، وهذه القضية بحد ذاتها تحرم الفلسطينيين من عناء عشر سنوات من الانتفاضة، والتفاوض المضني في عواصم العالم الموزعة بين القارات الخمس. والأخطر من ذلك محاولات بيريز من خلال خطته الجهنمية جر مؤسسات السلطة الفلسطينية وبالتحديد الأمنية، لشرك وأد الانتفاضة، وهذا الأمر بكل تأكيد سيعيد نغمة الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني إلى الواجهة من جديد، بل زد إلى ذلك أن هذه الخطة إذا ما نجحت بجر بعض مؤسسات السلطة، فلن يتوقف الدم الفلسطيني وسنشهد دورة عنف فلسطيني غير منظورة، تتمثل بانقسامات عمودية وأفقية داخل المجتمع الفلسطيني بشكل عام، وداخل مؤسسات السلطة الفلسطينية بشكل خاص . والاهم من ذلك أنه بهذه الخطط يكون قد أخرج القدس والمستوطنات الإسرائيلية المشادة على الأراضي الفلسطينية خارج ليس أطر التفاوض هذه المرة وحسب، بل خارج الحلم الوطني الفلسطيني برمته. لكن السؤال الأهم: إذا ما نجح بيريز في إنجاح خططه، من يضمن له وقف العمليات الاستشهادية، لدى رجال لا يرون دخول عالم البرزخ إلا بمقارعة الاحتلال وأجسادهم المطوقة باللهب والبارود؟ ـ كاتب فلسطيني