تختلف الشعوب بعضها عن بعض في مدى تخلفها او تقدمها او تطورها في مجالات الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة وغيرها. ومن الاخطاء التي يرتكبها المحللون للظواهر الاجتماعية محاولة تفسير هذه الظواهر بعامل واحد. بذلت محاولات لتفسير السلوك الانساني بالعامل الجنسي وتفسير حركة التاريخ البشري بعامل هوية ملكية وسائل الانتاج، وثبت خطأ هذه المحاولات كلها. تفسر هذه العوامل الظواهر الاجتماعية تفسيرا جزئيا، ولا يمكن التفسير الكلي لهذه الظواهر الا باتباع نهج تعدد العوامل في نشوء الظاهرة وتطورها. وللفكر تاريخيته. والمقصود بتاريخية الفكر ان الفكر تحدده الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية التي تتسم بها فترة من الفترات الزمنية. وبالنظر الى تعددية العوامل او الاسباب في نشوء ظاهرة من الظواهر والى تاريخية الفكر، فإن من الخطأ استعمال الصيغة اللغوية الاقتصادية التي لا تراعي تاريخية الظواهر وتعددية العوامل المنشئة لها. وعلى الرغم من ان الظواهر الاجتماعية لا تفسر تفسيرا كليا الا باتباع نهج تعدد العوامل المفسرة للظواهر، فإن العوامل المفسرة للظواهر تفسيرا جزئيا يختلف بعضها عن بعض في مدى قوتها التفسيرية. ومعالم البنية الاساسية للفكر ـ ولنقل الفكر العربي ـ لا تحدد بعامل واحد. هذه المعالم تحدد بمجموعة عوامل متفاعلة باستمرار فيما بينها، أي تحدد بالتفاعل المستمر فيما بين عدة عوامل. وتحديد المعالم بعامل واحد معناه اغفال اثر عوامل اخرى، وتحديد المعالم بعوامل دون اعتبار هذه العوامل المتفاعلة معناه اهمال اثر التفاعل في تحديد البنية. ومن هذه العوامل غلبة الروح الحمائلية في حياة المجتمع والدولة، وتأثير اللفظ والنهج السلوكي المتمثل في اللاسببية او بنية التجويز، والذكورية الابوية (الباطرياركية) والانغلاق الفكري الذي يتضمن الانطواء الفكري والانكفاء الفكري والتحجر والجمود، وعدم التفاعل الفكري وحلول السلوك النابع من التمني محل السلوك الذي يستلزمه الواقع. بنية الفكر ولمعرفة بنية فكر من الافكار، من المفيد الاخذ برؤية ابستيمولوجية تشمل تاريخية الظواهر، وبالمنهجين البنيوي والتفكيكي. فكل هذه الرؤى تساعد مساعدة كبيرة في معرفة بنية الفكر. ويجمع بعض المفكرين العرب الدعوة الى تاريخية الفكر بالدعوة الى الاندماج على نحو يكاد يكون مطلقا في النسق الحضاري الاوروبي. غير ان هذه الدعوة المزدوجة تشتمل على تناقض. نقول ذلك لان مراعاة تاريخية الفكر تستلزم مراعاة تاريخية الفكر الاوروبي الذي يتجسد في النسق الحضاري الاوروبي. وبالنظر الى تاريخية الفكر الاوروبي وتاريخية الحالة العربية، فإن النسق الحضاري الاوروبي لا يتفق بالضرورة ـ وهو لا يتفق فعلا ـ مع الظروف الاجتماعية الثقافية الاقتصادية النفسية للشعب العربي. وفي الوقت الحاضر يهيمن الفكر الغربي على قدر كبير من الفكر والسلوك العربيين. وفي الحقيقة ان ثمة وجوه تناقض ووجوه اختلاف ووجوه تماثل بين الفكر العربي والفكر الغربي. ومن الخطأ القول ان الفكر الغربي يتناقض تناقضا تاما مع الفكر العربي الاسلامي. يقوم شبه بين مفاهيم غربية وعربية واسلامية كثيرة: مفاهيم الحرية والدعوة الى تحرير العبيد، وأولوية الصالح العام، وحق الصالح الخاص والثروة الفردية، والكرامة الانسانية والعدل، واتقان العمل ولجم اللسان عن الغيبة والنميمة وغيرها كثير. وبين مفاهيم من هذه المفاهيم وغيرها تقوم اختلافات في مضمون او دلالة المضمون المقصودة. وعلى الرغم من ذلك فإن التماثل او التشابه بين المفاهيم نفسها الغربية والعربية يشكل اساسا قويا لتماثل او التشابه الفكري العربي والغربي. ومما سهل نشوء هذا التماثل او التشابه الفكري نشوء وتطور التركات اليهودية والمسيحية والاسلامية في المنطقة الجغرافية نفسها. وكان المحيط الجغرافي في جنوب غربي آسيا احد مصادر التأثير في هذه التركات. ومما اسهم ايضا في التشابه او التماثل الفكري الغربي والعربي الاسلامي القرب الجغرافي بين المشرق العربي والمغرب العربي وأوروبا، وخصوصا بلدان حوض البحر الابيض المتوسط الاوروبية والآسيوية والافريقية، والتواصل الفكري والحضاري والعلمي والفلسفي بين آسيا وافريقيا وأوروبا خلال قرون كثيرة. وتقوم اختلافات بين الفكر العربي والفكر الغربي، ولكن يجب الا تحجب هذه الاختلافات وجود وجوه الشبه او التماثل بينهما. ليس من الصحيح القول ان الفكرين مختلفان او متناقضان وان نكتفي بذلك القول. هذه العبارة لا تعبر عن الحقيقة الكاملة. التأثير والتأثر لقد ادت عوامل الى تأثر الفكر العربي بالفكر الغربي. ومن هذه العوامل القرب الجغرافي، كما اسلفنا، والاتصال عن طريق الاستعمار الغربي للبلدان العربية والاسلامية. ومن هذه العوامل ايضا وجود التماثل او التشابه بين جوانب من الفكر العربي والفكر الغربي. وقد تأثر الفكر الاوروبي في العصور الوسطى تأثرا كبيرا بالحضارة العربية الاسلامية. وهذه الحضارة هي احد الاسس التي قامت عليها النهضة الاوروبية. وبالنظر الى ذلك فإن المرء المشاهد المحلل يعجب من الناس الذين يقرون، من ناحية واحدة، بالتأثير الكبير للحضارة العربية الاسلامية في الحضارة الاوروبية والذين من ناحية اخرى ينكرون وجود تماثل او تشابه بين جوانب من الفكرين او الحضارتين. ويمكن القول ان العرب من مفكرين وحكام لم يحسنوا التعامل مع الفكر الغربي بمختلف تجلياته الممتدة عبر القرون الاربعة والخمسة المنصرمة، رغم اطلاع قسم منهم على جوانب من هذا الفكر. وتقوم اسباب لعدم حسن التعامل هذا، وأحد هذه الاسباب هو الاستعمار الغربي للبلدان العربية الذي انتشرت آثاره ولا تزال منتشرة في ارجاء الوطن العربي. فخضوع العرب للاستعمار وللحكم الاجنبي والسياسة الغربية المناهضة لحركات التحرر العربية جعلاهم رافضين من الناحيتين النفسية والسياسية لجوانب من الفكر الغربي او مترددين في قبول بعضها او بطيئين في هذا القبول ومتشككين في صحة قبولها. ان هذا الخضوع وهذه السياسة جعلا من الاصعب على العرب التمييز بين الافكار الغربية التي يمكنهم من المنظور القومي ان يقبلوها او ان يرفضوها. واضعف هذا الخضوع والسياسة لدى العرب التهيؤ النفسي لقبول هذه الافكار وعززا الخلط بين العاملين الذاتي والموضوعي في مواقفهم حيال الثقافة الغربية. وبالنظر الى ان العرب كان اتصالهم بالغرب في القرنين الماضيين في خلفية الغلبة الغربية، فإن عنصر انشغالهم بهذه الغلبة كان له حيز اكبر في موقفهم من الثقافة الغربية. والسياسة الغربية حيال العرب التي دامت سنين كثيرة ما انفكت تشكل احد اسباب ردة الفعل العربية هذه. ويعتبر كثير من العرب التأثير الفكري والثقافي الغربي القوي في ثقافة العرب غزوا ثقافيا. ويعزو بعض الكتاب العرب هذا الاعتبار الى وجود واستمرار آثار الاستعمار الغربي للأراضي العربية. والحقيقة ان العرب كانوا سيعتبرون ذلك التأثير الثقافي غزوا حتى لو لم يكونوا خاضعين للاستعمار الغربي. ـ استاذ الدراسات الشرق أوسطية في الولايات المتحدة