اذا استعرضنا ماضي البشرية، منذ فجر التاريخ، وحتى اليوم، نجد في صفحاته المطوية والمكشوفة، اعداداً لا تحصى من الحروب التي ذرت قرونها الوحشية وانشبت مخالبها المفترسة، هنا او هناك، في هذا الوقت او ذاك. وفي كثير من الحالات احرز بعض القادة انتصارات ساحقة في ساحات الوغى وميادين النزال، فنالوا اوسمة الفخار، واستحقوا كل ثناء وتقدير. ولكن الذين يستبسلون في القتال، يضطرون حتى يحظوا بالنصر، الى سفك دماء اعدائهم، وازهاق ارواحهم وتدمير منشآتهم، وإيقاع مئات وآلاف القتلى والجرحى بين صفوفهم. ومع ذلك، فإن هؤلاء لا يلقون في العادة تنديداً دولياً او ملامة اخلاقية، وذلك لأنهم يخوضون معترك حرب لا يمكن لأحد الطرفين المتورطين فيها ان يحرز الفوز الا إذا حارب ببسالة وربما بوحشية، وما نريد ان نخلص اليه، ان القتال عندما يكون مشروعاً من الناحية القانونية، فإن الذين يخوضون غماره، لا يصبحون موضع لوم. ولكن هناك حالات اخرى، تكون فيها الحرب قذرة، فيتم فيها انتهاك حقوق الانسان، وارتكاب مجازر غير مبررة لا يقبلها الضمير، ولاسيما عندما يجري استهداف المدنيين العزل الذين لا ناقة لهم ولا جمل ولا دور في حلبة الصراع. وهنا نصل الى مربط الفرس وبيت القصيد. فحينما يتم ارتكاب فظائع شنيعة جدا على نطاق واسع للغاية، فإننا نكون في هذه الحالة، امام ما يطلقون عليه اسم «جريمة الحرب». وكأمثلة عليها نذكر ما حدث في البوسنة والهرسك حيث ارتكبت مذابح عرقية فظيعة لا مثيل لها في تاريخ الهمجية. وكان بطلها رئيس يوغوسلافيا السابقة ميلوسوفيتش. وقبل ذلك وقعت مآسي صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها مئات القتلى الفلسطينيين في لبنان، وكان مدبرها المجرم العتيد ارييل شارون الذي استباح دماء الأبرياء دون اي وازع من ضمير. وهناك امثلة اخرى كثيرة على فظائع مأساوية قام بها من نسمّيهم اليوم بمجرمي الحرب الذين اصبحنا نسمع عن المزيد منهم، بين كل حين وآخر. فهل يمكن للمجتمع الدولي ان يترك مثل هؤلاء مطلقي اليد دون ان ينالهم العقاب؟ هل يجوز ان يبقى لهم الحبل على الغارب حتى يستمروا في سفك دماء الابرياء، والتحكم برقاب عباد الله، وانتهاك حرمة الانسان؟ لحسن الحظ ان المجتمع الدولي بدأ تقليداً جديداً يقضي بمحاكمة مجرمي الحرب في محكمة لاهاي الدولية. ولا حاجة بنا الى شرح التفاصيل الخاصة بهذه المسألة، لأنها أصبحت معروفة وشائعة على نطاق واسع. ولكن السؤال المهم بل الخطير الذي يمكن ان يراود ذهن كل انسان شريف، هو: لماذا تتم محاكمة مجرمي حرب من امثال ميلوسوفيتش، بينما يجري التستر على افعال مجرمي حرب آخرين، من أمثال شارون؟ الجواب واضح وصريح، وهو ان المصالح تلعب لعبتها في هذا المجال. وهو ما يدعو الى بالغ الأسى والأسف. ومع ذلك نقول ان هناك اليوم بقعة ساطعة من الضوء تنير عتمات الدهاليز المظلمة وتتمثل بإمكانية تحول محاكمة مجرمي الحرب الى تقليد دولي دائم، بل الى قانون ملزم يُطبّق على كل من تسوّل له نفسه قتل الأبرياء وسفك دماء المدنيين من اجل شهواته وطموحاته الخاصة. ولكن هناك في الجانب الاخر، بقعة سوداء داكنة لا تبشر بالخير، ولا تدعو الى الأمل، وتتجلى في تدخل المصالح الدولية والقطرية في عملية معاقبة مجرمي الحرب، وبالتالي الكيل بمكيالين، او ربما بعدة مكاييل. وبذلك تتم معاقبة سفاحين، بينما يترك سفاحون اخرون اشد منهم خطرا احراراً يعيثون فساداً في عالمنا المعاصر، وينفثون سمومهم في مختلف بقاع الارض. اذن، الصورة مشرقة في احد جانبيها، ومعتمة في الجانب الاخر. والزمن وحده هو الذي سيبيّن اي الوجهين سوف يطغى على الوجه الآخر. ـ كاتب سوري