قبل زيارة الرئيس بشار الاسد الى الكويت قام رئيس الوزراء السوري محمد مصطفى ميرو بمعية وفد سوري اقتصادي وسياسي كبير بزيارة بغداد وبدأت وكالات الانباء تقرأ في تلك الزيارة البغدادية الكثير من المعاني وتحملها الكثير من التأويلات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ان هناك تحالفا واسع المدى تبنى مداميكه الآن بين بغداد ودمشق. كما ان بغداد من جهتها ارادت ان يقرأ البعض تلك الزيارة بأكثر المعاني تطرفا، فأطلقت التصريحات حول تحالف استراتيجي جديد بشكل ذكر البعض بلعبة المحاور العربية القديمة. وكعادتها، اتخذت الدعاية العراقية من ملف القضية الفلسطينية قميص عثمان على سبيل الترويج ليس اكثر. ولعل ذاك الطرح الدعائى دفع وسائل الاعلام لمتابعة زيارة الرئيس بشار الاسد للكويت باهتمام مضاعف حيث ذهب بعضها للقول ان هذه الزيارة تهدف لاعادة التوازن في علاقات بعد ان اعترتها شبهة الميل الى فريق على حساب فريق آخر. غير ان هذه القراءات مجتمعة بعيدة عن الواقع وتتناسى عدة عوامل موضوعية اولها ان الاخوة في سوريا يعرفون تمام المعرفة سياسة العراق، بل هم من أكثر الناس معرفة بها ومعاناة منها منذ ايام الرئيس الراحل حافظ الاسد، نتيجة عدم احترام بغداد لمواثيقها مع دمشق وتمزيقها اتفاقاتهما الثنائية مما كان يضعف دائما الجبهة الشرقية في المواجهات العربية الاسرائيلية والتي طالما سعت اليها سوريا لاحداث توازن ما مع العدو الصهيوني. والأخوة في سوريا يتذكرون تماما كيف ان الرئيس العراقي لم يقم وزنا لرسائل ونصائح الرئيس السوري الراحل اثناء الاحتلال العراقي للكويت والتي حذر فيها صدام من مغبة العواقب الوخيمة اذا لم يسحب منها جيشه. وأمام التاريخ الطويل من الطعنات والمماطلات العراقية من المستحيل ان يستطيع احد في سوريا ان يأتمن جانب بغداد.. خاصة في الاتفاقات السياسية، او يعطي العراق اشارة ولو بعيدة، بصحة منهجه الاقليمي. فزيارة ميرو في حقيقتها هي زيارة اقتصادية، وجد فيها الجانب السوري تحقيق مصلحة اقتصادية للشعب السوري، كما وجد فيها تخفيفا للأعباء الثقيلة على الشعب العراقي، وكلها تتخطى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وسوريا بشار الاسد تحمل ملفات ثقيلة ايضا، الملف الأول منها هو العلاقة المستقبلية بإسرائيل، في ضوء التعقيدات التي نشهدها على الساحة الفلسطينية، ومنها ملف الوضع الساخن في لبنان، وهو في توقيته وطريقة اخراجه يضع الملف اللبناني ـ السوري في اولويات القيادة السورية، وهناك الملف الداخلي الذي بدأ بشار الاسد معالجته، وهو مكون من شقين: الشق الاقتصادي والانفتاح على العالم، والاخذ بالوسائل الحديثة للتنمية التي فيها من المخاطر والفرص ما يحتاج الى دقة في تبيان طريق السير، والشق السياسي، الذي بدأت تظهر معالمه بعدد من التوجهات الداخلية، ليس اقلها مسيرة المجتمع المدني وضوضاء المثقفين، وطموح السياسيين. في عالم كهذا يصبح احد مفاتيح الدخول الى تحري الاوضاع هو الانفراج الاقتصادي، والذي ترى سوريا ان بعضه قد يأتي من البوابة العراقية. يميل الموقف هنا لصالح سوريا، فهي قادرة ان تحقق علاقات اقتصادية، دون ان تدفع، مثل غيرها، ثمنا سياسيا باهظا للعراق. لذا لم تكن زيارة الرئيس بشار الاسد الى الكويت من قبيل احداث التوازن، كما يروج البعض بل هي زيارة ضمن استراتيجية تعتمدها سوريا، وقد رسم خطوطها العريضة الراحل الأسد ـ الأب، ومن اركانها ان التعاون السياسي مع الخليج هو حجر زاوية في العلاقات السورية ـ العربية، كما هو التعاون مع مصر الذي يشكل حجر زاوية اخرى، ومثل هذا النهج هو الطريق الصحيح للتعامل بعد ذلك مع العالم الخارجي، اصدقاء واعداء على السواء. في الملف الرئيسي الذي يواجه سوريا يجد بشار الاسد في الكويت آذانا صاغية وتجاوبا سياسيا يعتمد على الصدق والموضوعية، فالكويت كما هي السعودية وعدد كبير من دول الخليج، ترفض اي علاقة وبأي شكل مع اسرائيل، قبل ان تقدم الاخيرة على الاعتراف بالحق العربي، وتطبيق قرارات مجلس الامن وانصاف الفلسطينيين وعودة الجولان، من بين امور اخرى يتفق عليها العرب، وسوريا اساس بينهم. وان كان هناك اشارة تحملها زيارة الرئيس الأسد، فهي بالتأكيد اشارة الى بغداد، بأن الملف الاقتصادي فيه نفع لشعبين هما الشعبان العراقي والسوري، دون ان يحمل ذلك اية مضامين سياسية، ودون قراءة خاطئة لفعل زيارة رئيس الوزراء. وحقيقة الأمر ان الوضع السياسي في العراق لا يضيف الى سوريا شيئا، بل قد يحملها عبئا، فهي لا تريد ان يكون العراق عنصرا فاعلا لا في الملف الاسرائيلي، ولا في الملف اللبناني ولا في الملف الداخلي. ففي الملف اللبناني لايزال الجميع يتذكر الموقف العراقي ودعمه لجماعة ميشال عون ليس تعاطفا مع الاخير، وانما بهدف احراج سوريا ووضعها في موضع الدفاع، في وقت كانت فيه سوريا تعيش وضعا حرجا على الصعيدين العربي والدولي. أما في الملف الاسرائيلي، فإن المصادفة هي خير برهان، اذ في الوقت الذي انطلقت تهديدات كلامية من بغداد تجاه تل ابيب، نقرأ في وسائل الاعلام ان دفعة جديدة من التعويضات قد دفعت لاسرائيل من مال العراق.. جراء أعمال عنترية، كانت تعرف بغداد انها غير ذات تأثير عندما اتخذتها أول مرة اثناء احتلال الكويت. ومن مهازل الصدف ان تذهب أموال التعويضات هذه الى حكومة آرييل شارون الآن لترتد رصاصا وقنابل لصدور الفلسطينيين! اما عن الملف الداخلي، فالفرق شاسع بين ما يجري في سوريا من انفتاح واصغاء للرأي الآخر، وتعددية سياسية، وجولات عالمية يقوم بها الرئيس بشار الاسد لاحاطة العالم بموقف سوريا الحق والمعتدل، وبين شمولية قطعية، وتغييب الآخر، و«تهجير» اكثر من ثلاثة ملايين من العراقيين الى الخارج منفيين ومطاردين. السياسة الداخلية هنا وهناك متعارضتان وبينهما بون شاسع يفصل بين من يريد ان ينظر الى المستقبل بتفاؤل، وبين من يريد ان يبقى في الماضي ولو محاطا بالحديد والنار. كل هذه الحقائق والوقائع يدركها الأخوة السوريون، قبل غيرهم، وهذا عدا خطورة اعادة المحاور العربية الى ايام الحروب الباردة، وقد اكتوى بنارها الكثيرون، وهي عودة الى الماضي لا يرغبها معظم العرب ان لم نقل كلهم. ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت