مع نجاح الانسان في غزو الفضاء الخارجي ابتداء من منتصف القرن العشرين وما سبق ذلك ولحقه من كشوفات فضائية وفتوحات من ابرزها ارتياد الانسان للقمر واستعداده للوصول الى كوكب المريخ، قد يبدو السؤال المطروح غريبا. غير ان الغريب حقا هو اننا كبشر لا نملك حتى الآن من المعرفة بالكون، رغم تراكمات الاكتشافات العلمية عبر القرون، الا قدرا ضئيلا يكاد لا يذكر.. هو قدر اقرب الى الصفر. في الاسبوع الماضي اعلن علماء فلك امريكيون انهم اكتشفوا مجموعة شمسية جديدة تشبه المجموعة الشمسية المعروفة لدينا. وكالعادة قوبل نبأ هذا الاكتشاف بضجة علمية احتفالية في جميع انحاء المعمورة ممزوجة بالمزيد من الاعجاب المتجدد بالعلم التجريبي الحديث. لكن السؤال يبقى: ما هو مبلغ علمنا حتى بالمجموعة الشمسية القديمة؟ كوكب الارض جزء من عدة أجزاء رئيسية في المجموعة الشمسية. لكننا من فرط اعجابنا كبشر نتصرف وكأن كوكب الارض هو الكون كله. وأسوأ من ذلك اننا نتناسى ان المجموعة الشمسية ذاتها تتكون بالاضافة الى اعضائها الرئيسية من مليارات من الكواكب كلها عدا الكرة الارضية لم تطأها قدم بشر حتى الآن. مع ذلك فإن قصة الكون لا تنتهي عند المجموعة الشمسية. فالمجموعة الشمسية نفسها جزء ضئيل من شيء يستحيل على العين البشرية مجرد الاحاطة بحجمه من فرط ضخامته ويطلق عليه اسم «مجرة» وهي بدورها تتكون من مليارات الكواكب. هذه ايضا ليست نهاية القصة.. فهناك مجرات وليست مجرة واحدة. وما رصده علماء الفلك حتى الآن ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين بعد ميلاد المسيح يربو على خمسين مجرة.. بل ومن المعتقد ان الرقم بلا نهاية. ماذا اذن يساوي كوكب الارض في هذا الكون اللانهائي غير ان يكون بمثابة نقطة في محيط ـ او أقل؟ وهل مقدار معرفتنا كبشر بهذا الكون اكثر من معرفة نملة بحجر داخل غابة استوائية هي جزء من قارة؟ و«ما أوتيتم من العلم إلا قليلا».. هكذا نبهنا القرآن الكريم لكي نتواضع. ولماذا نتبجح بالقدر الضئيل من معرفتنا بالكون اللانهائي ونحن كبشر لا نعرف حتى الآن على وجه الدقة القاطعة كم يبلغ عمر كوكب الارض الذي نعيش عليه ولا الكيفية التي بدأت بها الحياة فيه وتطورت. أجل هناك «نظريات» عن بداية الحياة على الارض.. بل وعن بداية الكون. ويجب ان نقول انها نظريات ذكية. لكنها تبقى نظريات.. اي تخمينات. حتى هذه اللحظة ليس لدى البشر حقيقة يقينية كاملة عن نشوء الحياة في الارض.. فضلا عن الكون.. وعما اذا كان هناك في اي جزء من الكون حياة او عناصر للحياة بالمعنى البشري. «لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس» مرة اخرى ينبهنا القرآن الكريم الى معرفة قدر انفسنا.. رغم انه يستحثنا على التفكر والبحث: «إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض». ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن الدنيا وقدرها الحقيقي: «لو كانت الدنيا تعدل في ملك الله جناح بعوضة لما سقى منها كافرا شربة ماء». ومع هذا كله فإن الافتتان بالعلم التجريبي الحديث يبلغ بنا مبلغ الجهلاء عندما ننظر في مخترعات التكنولوجيا. فنحن نعجب بجهاز الكمبيوتر مثلا ومدى قدرته المذهلة على اختزان المعلومات واسترجاعها، وننسى ان نعجب بالدماغ البشري الذي يختزن ويسترجع ذكريات السنين بمواقفها ومشاهدها التفصيلية ومشاعرنا تجاه اي موقف وأي مشهد.. بل واسترجاع روائح معينة من عهد الطفولة المبكرة. ما أجهلنا.. لا نتفكر حتى في انفسنا! أحمد عمرابي