فليتصور أحدكم وقد دخل بيته ففوجئ بالخادمة وقد انقضت على طفله الصغير تُشبعه ضرباً بلا هوادة أو رحمة.. ولنسأل عما عساه أن يفعل وقد أوجعه استمرار ضرب الصغير أمام عينيه، وهل سيبادر لنجدة صغيره وتخليصه من وحشية الخادمة أم انه سيضع أعصابه في ثلاجة ويغمض عينيه ويتجه في هدوء حيث جهاز الهاتف كي يطلب الشرطة ثم يجلس في سكينة وخنوع واستسلام منتظراً حضور رجالها داعياً الله أن يصلوا قبل أن يسلم الطفل الروح على أيدي خادمة واثقة أنها مهما فعلت فإن ظل سفارتها يحميها ويبعد عنها العقاب والجزاء. هذا هو الموقف الصعب الذي عاشته مواطنة بكل مراراته وهي ترى ابنها ذا السنوات الأربع يتعرض للضرب على يدي الخادمة على مرأى من خادمتها الأخرى وهي من نفس جنسية الأولى. فما كان من مواطنتنا الطيبة المهذبة إلا أن تصرفت بفطرة الأمومة لديها فاندفعت لتخليص صغيرها من براثن الخادمة التي تحولت في تلك اللحظة الى ثور هائج يركل ويرفس تلك المواطنة التي كانت لسوء الحظ حاملاً وفي أسابيعها الأخيرة مما أجبرها على اللجوء الى غرفتها حفاظاً على سلامتها وسلامة من في بطنها ونجاة بطفلها المضروب. وكانت غلطة المواطنة والتي دفعت ثمنها باهظاً هي انها أقسمت وهي تهرب الى حجرتها ـ وهي صاحبة الدار ـ بأن الخادمة المفترية لن تبقى لديها اعتباراً من اللحظة وألحقت ذلك بأن أمرتها بأن تجمع أغراضها تمهيداً لتسليمها الى مكتب الخدمات الذي قدمت عن طريقه ليتولى عملية تسفيرها. وكانت الغلطة الثانية أن المخدومة توقعت ان الأمر سينتهي عند هذا الحد فمثل هذا الحادث يقع بالعشرات في منازلنا، بعضنا يتغاضى عنه والبعض الآخر يتخذ قراراً بتسفير الخادمة. لكنها فوجئت بعد ساعات معدودة بهروب الخادمتين معاً ـ وهما كما قلت من جنسية واحدة ـ الى مركز الشرطة وتقديم بلاغ ضد المخدومة تتهمانها فيه بالتعدي عليهما والدليل خدش بسيط ظهر في رقبة احداهن قد يكون من نتيجة دفع الأم للخادمة لحظة محاولتها تخليص ابنها من أيدي البقرة المجنونة. وفي مركز الشرطة بدأت الحلقة الأكثر إثارة إذ وبعد التأكد أن الخادمتين ليس لهما مستحقات لدى المخدومة والاتفاق على إلغاء إقامتيهما وترحيلهما، فوجئت المواطنة بالشرطي المحقق يطلب منها التوقيع على ورقة اعتقدت للوهلة الأولى انها ورقة انهاء الاجراءات أو ما شابه، ولكن بقراءتها فوجئت بالعبارة التالية.. «أتعهد أن أكون حسنة السيرة والسلوك وألا أعتدي على المدعوتين (أي الخادمتين) بالقول أو الفعل». عندها كانت الصاعقة التي وقعت على رأس المواطنة الطيبة حين وجدت نفسها مطالبة بأن تدفع عن نفسها تهمة هي بريئة تماماً منها بعد أن طُلب منها التعهد بحسن السيرة والسلوك، مما يعني أنها أصبحت في نظر رجال الشرطة غير ذلك تماماً!!! وعندها رفضت ان توقع على مثل هذا التعهد الذي هو تضمين على سوء سلوكها أخبرها ضابط المركز انه ليس أمامها سوى تحويل البلاغ الى قضية بتهمة التعدي على الخادمة. فسألته وحقي وحق ابني؟ أخبرها هي الشاكية وانت المتهمة، فطلبت المواطنة فتح بلاغ تشكو الخادمة بتهمة ضرب ابنها فأخبرها انه لا يجوز فتح بلاغين في قضية واحدة إلا بعد الانتهاء من أحدهما. ترى هل من سبق.. لبق وأكل النبق؟ وتساءلت المواطنة: والحل إذن؟! أجابها الضابط انه لابد من التوقيع على الاقرار والتعهد بما ورد فيه، مؤكدا ان ذلك اجراء روتيني لضمان حق الخادمة في حال مطالبة قنصلية بلادها بحقها أو متابعة سير القضية. تساءلت المواطنة مجدداً وأين لي بالاعتداء عليها، وهي ستبقى معكم حتى الغد حيث سيتم تسفيرها؟ وهنا رد رجل الشرطة انه لا مناص من التوقيع وأصرت هي بدورها على رفض التوقيع على مثل هذا الكلام فكان الحل الوسط هو شطب الجزء الأول من العبارة ووقعت «مرغمة» على التعهد. ما حكيته كان واقعة حقيقية جرت يا سادة يوم الجمعة الماضي في أحد مراكز الشرطة لدينا. والسؤال هنا وأيضاً هناك.. أين حق الكفيل في مثل هذه الحوادث سواء كان هذا الكفيل مواطناً أم مقيماً، فالملاحظ أن جميع القوانين في هذا الشأن تأتي على الدوام لصالح الخدم، ولهم من الألاعيب والمكائد ما يحتاج نشره لموسوعات كما ان رجال الشرطة والهجرة أدرى بهذه الأكاذيب والتهم الملفقة. نعم قد توجد أحياناً بعض حالات الإساءة في معاملة الخدم، ولكن في أكثر الأحيان تكون الآية معكوسة والظلم كله يكون واقعاً على المخدوم الذي يكون مطالباً وباستمرار بتحمل نتائج أخطار الخادمة التي تأتي الى البلاد وعلى كفالته ويتكبد من أجلها نفقات لا حصر لها. إن هذه الحكاية التي رويتها لكم تضغط على قلمي بشدة كي أقدم ثلاث نصائح لثلاث جهات مختلفة في طبيعة عملها، لكنها تتفق في أنها ذات اختصاص بنفس الموضوع وهو هنا مشكلة الخدم وكفلائهم والتي اصبحت بحراً مائجاً هائجاً ليس له قرار. ونصيحتي الأولى أوجهها لرجال الشرطة وأقول فيها: ان هناك قضايا يتحول فيها الشاكي الى متهم اذا كانت اجراءات التحقيق تسير بشكل جيد وغير روتيني لأن مجرد انهاء المشكلة وبأسرع وقت يجعل النتائج غير منطقية وغير مقبولة. أما نصيحتي الثانية فأوجهها الى كفلاء الخدم من المواطنين والمواطنات ومعهم المقيمون والمقيمات وهي التعامل مع الخدم بصورة معكوسة بحيث يعتبر الكفيل نفسه عاملاً عند من يجلبهم لخدمته في منزله حتى لا يلوث ملف سيرته وسلوكه على أيدي الخدم من الجنسية إياها التي يصدق رجال الشرطة أقوالها دون تمحيص أو بحث أو تحرٍ أو تدقيق. أما نصيحتي الثالثة فموجهة الى السادة أصحاب مكاتب التخديم وأقول لهم: لماذا لا تنص عقودكم مع الكفلاء ومع الخدم على أن جهة التحكيم بين الطرفين هي مكاتب التخديم خاصة وانكم أثبتم دراية وخبرة ومنهجاً لأساليب الخدم ومكائدهم، ومؤامراتهم مما مكنكم من حل المشكلات وإنصاف كل الأطراف، بينما نحن لا نزال في غفلة عن كل تدابير تحمينا من سلوكياتهم وتصرفاتهم داخل بيوتنا وخارجها!! كما اننا لا نزال على تسامحنا وطيبة نفوسنا فلم نتعلم من تجاربنا القاسية!! وكان الله في عون الجميع.