عندما كان محمد علي باشا والي مصر الشهير يختار عددا من طلاب الأزهر أو من أبناء الفلاحين لكي ينخرطوا في سلك التعليم تمهيدا لايفادهم ضمن البعثات العلمية التي ارسلها محمد علي الى أوروبا.. كان أهالي هؤلاء الطلاب يقيمون المناحات.. يلطمون الخدود في القرى النائية ويشقون جلاليبهم الزرقاء أسفا على ذلك المصير المجهول الذي يساق اليه فلذات أكبادهم. كان عجيبا أن تبكي النساء لأن رفاعة رافع من بلدة طهطا في صعيد مصر الجواني سيودع حياة الأزهر وقد كانت في تلك الفترة ـ أوائل القرن التاسع عشر ـ حياة كلها قسوة وشظف وخشونة وحرمان لكي يذهب مع بعثة أنجال الوالي محمد علي وأصهاره الى فرنسا. وكان غريبا أن تأتي الجارات لمواساة جارتهم الست أم علي في قرية برنبال في شمال دلتا النيل لأن الوالي انتزع فتاها علي بن مبارك من أحضانها لكي يلحقه بمدرسة المبتديان التجهيزية في القاهرة وربما أودى به حظه العاثر التعيس الى حيث يرسلونه ـ وقد أرسلوه فعلا الى ذلك البلد الأفرنجي الغريب الذي يحمل اسم باريز. ربما أورثتنا هذه التقاليد العتيقة منذ القرن 19 عادة الزعل والتجهم إذ نساق كما أسلفنا في حديث سبق ـ الى المدرسة وكأننا في الطريق الى غياهب سجن.. طبعا كان ذلك قبل أيام الحضانات ورياض الأطفال الـ «كي.جيه» التي أصبحت أقطابا جاذبة لخيال الطفل بألعابها وآلاعيبها.. حيث تجسد في حياة طفولة اليوم رموزا محببة.. ما بين حمام السباحة الصغير أو كافتيريا الوجبات الشهية الدافئة أو دروس الموسيقى في هواء الحديقة الطلق.. ناهيك بطبيعة الحال عن حجرات الدراسة المزركشة المزوقة والمكيفة الهواء في الصيف وفي الشتاء.. أين هذا كله من مدارس كانت في حياة أجيالنا الصابرة المثابرة المجاهدة ترتبط برموز أخرى مغايرة تماما.. كان في مقدمتها عصا المشرف الرياضي الطويلة التي لم تسلم منها أجسادنا الضامرة الهزيلة دع عنك السندويتشات الباردة التي كنا نحملها في حقائبنا الرخيصة من صنع بيوتنا.. وبالتحديد من صنع امهاتنا المكدودات وقد نهضن على رغم وكره في بكرة صبح قارس البرودة.. فاختلط السندويتش بما تبقى من رصيد النعاس وكلفوا الطفل المسكين بأن يحمله الى مدرسته لعله يسد جوعا في وسط النهار. ربما لهذا كله كان مشهد التوجه الصباحي الى المدرسة والدخول من بابها منظرا يشوبه تثاقل الخطى وصّد النفس (بكسر النون) أين هذا كله ـ وأنت سيد العارفين ـ من مشهد أو فلنقل ومضة الخروج من المدرسة بعد يوم طويل وممل ثقيل.. هو المشهد الذي حرص على تصويره الكوميديان العالمي الأشهر شارلي شابلن في فيلمه الجميل الخطير بعنوان (العصر الحديث) مشهد العمال يتراكضون ويتزاحمون لحظة الخروج من المصنع.. لقد انطلقت صفارة الانتهاء من يوم العمل الشاق، وها هم يعيشون لحظة الافراج بل الانعتاق.. ساعتها حرص شارلي شابلن على أن يقرن المنظر بمشهد قطعان من الخراف تتراكض وتتزاحم بدورها الى حيث المرعى الخصيب.. وكأنه يقول أن لا فرق في رغبة الانعتاق بين الحيوان المسمى بالانسان وبين الحيوان.. الحيوان.. لا عجب كذلك أن اخترع أهل الأجيال الماضية مصطلحا يصدق على عطلات المدرسة.. ما بين إجازة نصف السنة ـ أجازة الربيع كما تسمى أحيانا أو الاجازة الصيفية الجليلة القدر.. والمصطلح هو (المسامحة) ولعلنا سقناه لك في أحاديث سبقت وهو في كل حال فصيح الدلالة على أن تلاميذ الزمانات كانوا غلابة يستحقون الرثاء بل كانوا جديرين بأن ينالوا هذا النوع من التجاوز أو العفو على شكل مسامحة ـ نقصد أجازة أو عطلة تقصر أحيانا والأفضل أن تطول. وبمناسبة الاحساس بالحبسة داخل صفوف المدرسة.. يحكي الكاتب الساخر محمود السعدني في مذكراته كيف كان يضيق بجدران الصف الدراسي الذي كان يضمه في مدرسة المعهد العلمي الابتدائي.. وكم كان السعدني الصبي يجسد الناس الذين تترامى اليه أصواتهم عبر نافذة حجرة الدراسة.. ها هم يتحركون ويزعقون ويتشاتمون ويتعاركون ولكنهم أحرار.. عتقاء لا تحبسهم جدران المدرسة ولا تقيدهم مواعيد الدوام.. ولأمر ما كان الحسد في وجدان محمود السعدني يتركز بالذات على بائع خيار لم تكن حنجرته لتهدأ لحظة عن النداء على بضاعته من (الخيار.. اللوبيا) حيث الرطل بكذا مليم وحيث يحلو تناول الخيار بالجبن الأبيض الفلاحي.. الخ.. وكان السعدني وقتها يتمنى لو كان حظه الحسن قد جعل منه بياع خيار ينعم بكل هذه الحرية.. ولعله كان يكتفي من محبسه العلمي بمصمصة الشفاه متأسيا بأن الدنيا حظوظ. وكان معنا في صفوف الدراسة الجامعية الأولى بآداب القاهرة (كان ذلك ـ كما قد لا يخفى على فطنتك منذ زمان بعيد ـ يكاد يقارب زمانات علي مبارك ورفاعة الطهطاوي) كان معنا زميلة هي الأخت الشقيقة لواحد من كبار أساتذة جيلنا في قسم اللغة الانجليزية وهو المرحوم الدكتور محمد ياسين العيوطي طيب الله ثراه.. على غير عادته.. دخل الدكتور العيوطي مدرج 13 الكبير وقد زايله التجهم التقليدي الذي كان يلازم قسمات وجهه ـ أسهب الاستاذ بتدفق العالم العارف في الحديث عن أحوال انجلترا مع التحولات الرأسمالية في القرن التاسع عشر وكان بذلك يمهد للحديث عن الخلفية التي عاش في ظلها وأبدع على مهادها الروائي الانجليزي الكبير تشارلس ديكنز عبثا كنا نلاحق عباراته المتدفقة ينطقها بلهجة ايرلندية حيث تعلم ونال الدكتوراه.. وقرب نهاية المحاضرة.. كان التعب قد نال منا ومنه مبلغا كثيرا.. توقف قليلا عن الكلام وتفرس في وجوه الطلاب الجالسين.. فإذا بعينيه تقعان على شقيقته الصغرى وإذا به يداعبها بعبارات رقيقة ثم تتسع بسمته ليحكي لنا قائلا: ـ أذكر أول يوم ذهبت فيه الى المدرسة ظلت طوال الليل شبه ساهرة شوقا الى مدرستها، جهزت المريلة والحذاء والشنطة ورصت الأقلام الملونة وملأت البيت ثرثرة تعبر عن سعادة بحكاية (إنها رايحة المدرسة) ومن النجمة استيقظت في غاية النشاط واللهفة وصحبناها الى باب المدرسة حيث ودعتنا وانطلقت ـ وسط دهشتنا ـ وهي في غاية السعادة. في اليوم التالي.. ذهبنا كي نوقظها في بكرة الصباح.. رفضت القيام وتساءلت في غضب: ـ لماذا توقظونني؟ ـ لكي تذهبي الى المدرسة ـ هيه المدرسة كل يوم؟ ولما عرفت الحقيقة انخرطت في بكاء عميق.