عندما عقد (المنتدى العالمي لمحاربة الفساد وحماية النزاهة) مؤتمره الثاني في لاهاي بهولندا خلال الفترة من 28-31 مايو الماضي، وحضره ممثلون عن 110 دول، كان الهدف المعلن له هو بذل الجهود الدولية المشتركة بواسطة المنظمات غير الحكومية في العالم للحد من ظاهرة انتشار الفساد بالنظر لمخاطره وآثاره المدمرة على الاقتصاد الوطني والعالمي، وما يمثله ذلك من تهديد للاستقرار السياسي والاجتماعي. وقد ساد الخلاف أجواء المؤتمر بسبب تبادل الاتهامات بين الدول الغنية والدول الفقيرة حول مسئولية كل منها عن تفشي هذه الظاهرة، حيث اتهمت الدول الغنية الدول الفقيرة باهدار المليارات من الأموال التي تقدمها كمعونات لها، وذلك بتحويلها لحساب المسئولين الحكوميين في هذه الدول الفقيرة على حساب شعوبها. وقد ردت الدول الفقيرة على ذلك بتحميل الدول الغنية وشركاتها متعددة الجنسيات مسئولية الفساد بسبب الرشاوى التي تدفعها للحكام الفاسدين من أجل الحصول على صفقات سواء في مجال المواد الخام التي تذخر بها البلدان الفقيرة وتستحلبها الدول الغنية، أو في مجالات العقود التجارية، خاصة تلك المتعلقة بالأسلحة والمعدات، وحيث تذخر بنوك الدول الغنية بالأموال المهربة من الدول الفقيرة، وهو الأمر الذي دفع الدول الفقيرة الى مطالبة الدول الغنية باستعادة هذه الأموال، والتوصل الى اتفاقيات تسمح بملاحقة الحكام الفاسدين الذين هربوا بأموالهم الى الخارج في الوقت الذي تعاني فيه شعوب هذه الدول شظف العيش من جوع وفقر ومرض. ورغم هذه الخلافات التي حالت دون التوصل الى اعلان عالمي تتبناه الأمم المتحدة من أجل مكافحة الفساد يتضمن آليات محددة لمراقبة التزام الدول بما جاء فيه، فإن الاعلان الختامي تضمن العديد من المبادئ المهمة من أجل تدعيم التعاون الدولي لمكافحة الفساد، وضرورة قيام كل دولة بتنفيذ سياسات صارمة في مكافحة الفساد على المستوى المحلي، كما شدد الاعلان الختامي على مطالبة الحكومات والأحزاب السياسية والقطاع الخاص بأن يضربوا المثل في التزامهم بمكافحة الفساد، وتوفير الحماية للموظفين الذين يقومون بالابلاغ عن جرائم الفساد. أما الأحزاب السياسية فقد دعاها الاعلان الختامي الى تبي الشفافية في الاعلان عن مصادر تمويلها بما في ذلك تمويل حملاتها الانتخابية، وبالنسبة للقطاع الخاص فمن الضروري أن يتبنى سياسات حازمة في اجراءات المحاسبة والمراجعة مع الالتزام بالامتناع عن تقديم الرشاوى في التعاملات الدولية، كما نص الاعلان على أن الفساد لا يمكن أن ينمو في جو من الانفتاح الكامل، فاتباع الشفافية ونظم محاسبة غير متحيزة وتعاون القطاع الخاص، كلها أمور شديدة الأهمية، كما أن هناك دورا مهما وأساسيا لوسائل الاعلام مما يؤكد أهمية الصحافة الحرة والموضوعية. منهجية جديدة وعلى هامش المؤتمر دعا عدد من المشاركين فيه الى القيام بعملية تقييم سياسات مكافحة الفساد على المستوى الثنائي أو الاقليمي، كما أن الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأوروبية قامت بالتوقيع على معاهدة لمكافحة الفساد وتنص على التزامهم بعدم تقديم الرشاوى على المستوى الدولي. وقد قامت منظمة الشفافية الدولية ـ وهي أكبر المنظمات غير الحكومية في مجال اعداد الدراسات والاحصاءات والجداول الخاصة بترتيب الدول في مجال الالتزام بمكافحة الفساد - باصدار أحدث تقاريرها عن ظاهرة الرشوة الدولية، خاصة الأطراف التي تقوم بعرض الرشاوى. وقد تساءل بعض المشاركين في المؤتمر عن أهمية اصدار المزيد من الوثائق والعهود الدولية، اذا ما كان هناك الكثير منها موجود بالفعل على المستويات الاقليمية. وشدد هؤلاء على أن نقطة البداية ينبغي أن تتمثل في تبني كل دولة على حدة سياسات محددة لمكافحة الفساد، وذلك من خلال التطبيق الصارم والمتساوي للقانون، والعمل على تدعيم النزاهة بين المسئولين في الأجهزة القائمة على تطبيق القانون وجهاز القضاء كما يتطلب الأمر أيضا نشر ثقافة معادية للفساد كقيمة في المجتمع، وذلك منذ الصغر من خلال المناهج التعليمية والمؤسسات الدينية. وفي اطار الجهود التي تبذلها الدول والمنظمات وللتصدي لظاهرة الفساد، فقد برزت اتجاهات داعية الى معالجة جذرية لهذه الظاهرة الخطيرة عبر اتخاذ خطوات واجراءات مركبة في أبعادها القانونية والأمنية والسياسية والاقتصادية، تنهض على أساس الوضوح الكامل في التعامل والتنسيق والتعاون بين سائر الأجهزة المعنية بمكافحة هذه الظاهرة، والتي يمكن أن تبسط رقابتها على المؤسسات الحكومية والأحزاب والقوى السياسية والمؤسسات الانتاجية والخدماتية والصناعية سواء التابعة للقطاع الحكومي أو القطاع الخاص في المجتمع، تنص على المبادئ الآتية: أ- الشفافية ووضوح اجراءات التعامل خاصة عند عقد الصفقات. ب- توسيع دائرة الديمقراطية بما فيها من صلاحيات أجهزة الرقابة، وجدية التشريعات والقوانين المضادة للفساد. جـ- توزيع عادل للدخل القومي يعطي الثقة للمواطن في أن يأخذ حقه عبر القنوات الشرعية، وبما لا يدفعه الى اللجوء الى القنوات غير الشرعية، ويرتبط العدل الاجتماعي بتحسين الظروف المعيشية، وهو أمر مرهون بتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبما يتناسب الدخل مع الحاجات المعيشية والاستهلاكية. د- القضاء العادل والنزيه والمستقل هو الضمانة الأكيدة اذا وجدت التشريعات الكفيلة بمحاربة الفساد وقطع دابره. يرتبط بذلك الحرص على عدم التدخل في عمله في مجال المحاكمة والاحكام والمحاسبة، وتحديث القوانين والأنظمة المتبعة في هذا المجال. هـ- تطوير أنظمة المراقبة وقوانين الرقابة واستخدام الأجهزة الحديثة والدقيقة لمراقبة المرتشين وكشفهم بالسرعة القصوى. و- معاقبة المفسدين، لاسيما رموزهم البارزة كاجراء رادع لهم وللآخرين من جهة، ومن جهة أخرى التأكيد على أن العقاب يطال الجميع وأن القانون فوق الأشخاص مهما كانت مناصبهم ومسئولياتهم في جعل الرأي العام قوة فعالة موازية لقوة الدولة وأجهزتها، من خلال خلق توازن بين دور الدولة ودور المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية، وتفعيل دور أجهزة الاعلام في اكتشاف عناصر الفساد ورموزه، وتقديمهم للمحاكمة، الى جانب دعم قدرة المعارضة السياسية وتشجيعها على كشف جرائم الفساد في المجتمع. دور الديمقراطية تعتبر وثيقة الماجناكرتا التي صدرت في انجلترا عام 1215م هي الأولى في أوروبا التي أعطت الشعب الحق في المشاركة والمراقبة في إنفاق المال العام، وبالتالي الرقابة على اداء السلطة التنفيذية، وعندما تمكنت الديمقراطية في بريطانيا انحسر الفساد المالي وضاق الخناق على المفسدين. وكان من جراء تمكين الديمقراطية في بريطانيا مثلا أن خريطة المجتمع المالية والاقتصادية أصبحت مشهرة أمام الجميع. فقد نشرت صحيفة «صانداي تايمز» - على سبيل المثال - في 14 مايو 1995 تقريرا أوضحت فيه تفصيلات الخريطة، ومعالم الثراء في بريطانيا، وبمقتضاها أصبح بوسع أي قارئ أن يعرف بالضبط من هم الأثرياء في انجلترا، وماذا يملكون، وفي أي مجالات العمل ينشطون، ومن هم أغنى عشرة أشخاص في البلاد، وكم يملك كل واحد منهم، وما الذي طرأ على تلك الخريطة من متغيرات مقارنة بالعام السابق. كما عرف الناس أيضا أسماء أغنى تسع نساء.. وثروة كل واحدة منهن، فقد كانت ملكة بريطانيا الأكثر ثراء حيث قدرت ثروتها بحوالي 450 مليون جنيه استرليني. وفي قائمة أخرى نشرت الصحيفة أسماء وثروات أغنى خمس أشخاص في شرائح ومجالات عدة هي: الارستقراطية البريطانية، قطاع المتاجر، أثرياء العقارات، القطاع الصناعي، قطاع الاعلام، تجارة الأغذية، وأثرياء القطاع المصرفي والمالي. وبسبب الحساسية ازاء حرمة المال العام رفضت الحكومة البريطانية دفع تكاليف احتفال الملكة الأم بعيد ميلادها المئة، فقد رأت الحكومة أن تلك مناسبة عائلية خاصة لا ينبغي أن تتحمل خزانة الدولة أعباءها. كما رفضت هيئة الاذاعة البريطانية BBC بث الاحتفال الذي يقام في هذا العيد. واذا انتقلنا الى دولة ديمقراطية أخرى هي السويد، فسنجد أن ملك السويد (كارل السادس) حين بلغ سن الخمسين في عام 1996، ولأنه يحظى بشعبية كبيرة، فقد تعالت الأصوات منادية باقامة احتفال كبير بهذه المناسبة، خصوصا وأنه أول ملك يبلغ هذاه السن وهو على عرش السويد منذ تسعين سنة.. وقد حضر الاحتفال عدد كبير من ملوك وأمراء ورؤساء أوروبا والشخصيات العامة، حيث بلغ عددهم حوالي 600 شخصية أجنبية.. وبسبب ضخامة الاحتفال عجزت الأسرة المالكة - التي تعد من أفقر حكام أوروبا - عن تدبير نفقاته. ولكن لأن الدستور يمنع الملك من قبول تبرعات أو هدايا من أية جهة، فلم يكن بمقدور منظمي الاحتفال أن يعتمدوا على الاكتتاب العام، لذلك قررت الجمعيات الأهلية السويدية أن تتولى هي وليس الأسرة المالكة ولا الحكومة اقامة الاحتفال وتلقي تبرعات الراغبين. وبسبب التضخم انخفضت قيمة العملة السويدية (كراون) الى نصف ما كانت عليه عام 1974، وعندما اشتكى الملك من ضعف مخصصاته (70 مليون مارك أي أقل من عشرة ملايين دولار) ينفق منها على جميع أفراد القصر، واستقبال الضيوف والمآدب الرسمية وتعليم الأبناء وتدريب ولي العهد، خاصة وأن هذه المخصصات تقررت في عام 1974 عندما كانت قيمة الكراون ضعف ما هي عليه اليوم، رفض أعضاء البرلمان مجرد مناقشة القضية، وطالبوا الملك بأن يعاني مثل بقية المواطنين، حسب التعبير الذي استخدمته وزيرة الشئون الاجتماعية. وهذان المثالان اللذان ضربناهما من بريطانيا والسويد حول الشفافية والديمقراطية، لا تعني انعدام الفساد في الدول المتقدمة، ولكن توجد مؤسسات وقواعد وسلوكيات تباشر رقابة الدولة على المال العام يحد كثيرا من ظاهرة الفساد المالي، ومن ثم تقويض الآثار السلبية والاضرار المترتبة عليه. ناهيك عن أن الرأي العام في الدول المتقدمة ومؤسساته الاعلامية تقوم بدور بارز في الكشف عن الظواهر المنحرفة وغير الأخلاقية في المجتمع. وعلى النقيض من ذلك، فإن نظم الحكم الديكتاتورية، وغياب الديمقراطية، وما يترتب على ذلك من اعلام موجه يعكس ثقافة النخب الحاكمة ويجعلها هي المسيطرة يخلق حالة من اللاوعي بين الجماهير يصل بها الأمر في بعض الأحيان الى تقنين الفساد والنظر اليه باعتباره قيمة اجتماعية في حد ذاته، وله مشروعيته بموجب تبريرات وذرائع كثيرة، كلها أبعد ما تكون عن القيم الدينية والأخلاقية السليمة. ـ كاتب وخبير استراتيجي مصري