أثناء بث مباشر لواحدة من الجنازات الجماعية لشهداء الإنتفاضة على فضائية عربية، إنقطع بشكل مفاجئ مشهد جموع المشيعين الغاضبين، ليخلي مكانه لوجه مشارك ملأ الشاشة بأكملها، وبصوت متهدج حزين لكنه صارم، تحدث صاحب الوجه قائلا: لن نتوجه بإستجداءاتنا بعد اليوم إلى الحكام العرب إننا نتطلع للشعوب العربية لنصرتنا والوقوف إلى جوارنا. النظم العربية تخلت عنا ولا جدوى منها على الإطلاق. نحن من دم العرب ولحمهم وعار عليهم أن يتركونا فريسة للقتل الجماعي الإسرائيلي .. فإن لم يفعلوا فإننا نحتسبهم إلى الله والتاريخ. لم يكن صاحب هذا النداء المؤثر هو أول القائلين بالتمييز بين مواقف الشعوب العربية ونظمها وعلى الأرجح لن يكون الأخير. هذا التمييز الذي أصبح المرء ـ وربما مع كثيرين ـ في شك مريب من صحته. فمنذ فورته العارمة في الأيام الأولى للإنتفاضة قبل ثمانية أشهر راح الشارع العربي في شبه غيبوبة أنه يسمع ويرى ولكنه ساكن بلا حراك، اللهم إلا باستثناءات محدودة لا تجرح هذه القاعدة. لعله يصح الآن تشبيه الهبة الشعبية العربية نصرة للإنتفاضة، بثورة بركان أخرج في لحظة واحدة ـ هي الأسابيع الثلاثة قبل قمة القاهرة في 21 و22/10/2001 كل ما في جوفه من حمم، ثم أخلد إلى السكون تماما. ولا يعرف أحد على محمل اليقين، ما إن كان لهذا البركان بقية أو متى تكون حركته الإستئنافية التالية وعلى أية شاكله وقوة وفي أي إتجاه. تتأتي صعوبة التوقع في هذا الإطار، من أن الشروط أو المحددات الموضوعية التي حركت مياه الشارع العربي غداة بدء الإنتفاضة، مازالت جميعها قائمة مثلما كانت . بل ولنا أن نذهب بإطمئنان إلى أن هذه المحددات قد تعززت أكثر خلال الشهور الماضية، بما كان يستدعي تكرار فورة الشارع بصورة أقوى.. فالإرهاب الدموي الإسرائيلي إزداد تجاه المنتفضين في فلسطين بما لا سابقة له منذ 1967، بل وصار العرب خارج فلسطين موضوعا للتهديدات الإسرائيلية والتلويح بالقوة ليس فقط وفقا لمقولة (الحاضر يعلم الغائب) وإنما أيضا بتصريحات تسمى الأشياء بأسمائها بدون مواربة. وإن كان نداء القدس هو علة الإنفجار الشعبي ضد العدوانية الإسرائيلية، فإن الأقصى ورحابه لم يتحرر بعد ومازال الخطر معقودا في أفقه، ومع ذلك ومثله، عادت الشعوب العربية سيرتها الأولى قبل الإنتفاضة. هذه الحالة تبدو مناقضة لطبائع الظواهر فالفعل موجود وعلى نحو بالغ الإلحاح فيما رد الفعل غائب ومحجوب، ولا مجال للزعم بأنه لا ينتظر من الرأي العام العربي أن يعكف ليل نهار على إظهار سخطه في الميادين العامة حول ما يدور في فلسطين، أو أن الشعوب العربية أبلغت رسالتها للكافة وعادت إلى قواعدها سالمة تتربص وتترقب. ذلك لأن مرور تسعة أشهر بدون ظهور بشائر إستجابة فاعلة لهذه الرسالة، فترة كافية وزيادة لضرورة إعادة الإرسال. هكذا يفترض، لاسيما وأن بقاء هذه الشعوب (سالمة) في قواعدها أضحى أمرا مشوبا بالشكوك في ظل تداعيات الحالة الفلسطينية وكذا في ضوء تفاقم الإحساس الإسرائيلي بجنون العظمة وإستمراء الإستخدام المفتوح لعناصر القوة ضد الفلسطينيين، ومن ورائهم العرب عند اللزوم. والحال كذلك ترى هل يحق إستمرار التمييز بين سلوك النظم والشعوب تجاه المنتفضين في فلسطين، على الأقل بالحيثية التقليدية، التي جعلت الشعوب في موقع تضامني أخوي حميم متقدم بفارق كبير عن مواقع النظم ؟ تقول إن هناك شكوكا تتلصص في ما يتعلق بهذه الأحقية وما ترتب عليها مطولا من تحليلات. علينا أن نلتزم بهذه الشكوك حتى نتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في هذا السياق، ولكن إلى أن يحدث ذلك على سبيل القطع والقناعة الكاملة، ثمة ضرورة نظرية وتطبيقية عملية لاستكناه أسباب هذه الحالة الشعبية السكونية.. وعلينا أن لا نمل من هذه العملية الإستطلاعية. نظريا، نحن بحاجة للتأكد من مدى ديمومة أو ضعف أو زوال الشعور بالجامع القومي بين الفلسطينيين والعرب كعنصر ثابت في تحريك الشعوب العربية وتأليف قلوب أبنائها تجاه فلسطين في الحال والإستقبال. وتطبيقيا، فإن كل العاملين على تحرير فلسطين، معنيون بالتعرف على حدود المشاركة العربية في تحقيق هذا الهدف، أيضا في الحال والإستقبال، وبالطبع هناك فرق كبير بين التوصل لنتيجة مفادها أن المؤازرة العربية ـ الشعبية ـ تتوقف عند التعاطف الكلامي أو الدعم المادي موسميا وعن بعد. وبين التأكد من إمكانية تعميد هذا التعاطف والدعم بالدم إذا ما أتيحت الفرصة لذلك. رب مجادل بأن مجرد طرح هذه الاستفهامات ناجم عن غلو في الغضب من تبلد الرأي العام العربي إزاء المحرقة الفلسطينية المتفاعلة. قد يكون هذا صحيحا. لكن ماذا في ذلك؟.. إن هذا الغلو ليس بلا مغزي وسبب، وهو لا يبغي شرعية تحري دوافع هذا التبلد وتداعياته على مستقبل القضية الفلسطينية من المنظورين الوطني والقومي. تقديرنا أن الصلة ما بين هذين المنظورين في خطر ومحنة، ولسنا بحاجة لزرقاء اليمامه، كي ندرك مجددا أن مساندة فلسطين المنتفضة أو المفاوضة أو المزاوجة بين الإنتفاضة والتفاوض، حاجة ملحة في هذا التوقيت ، عربيا مثلما هي فلسطينا، استراتيجية وتكتيكية إذ ليس بعد الفلسطينيين إلا العرب. ولن يكون لزوال الفعل النضالي الفلسطيني هذه المرة الأثر الهامشي ذاته على المحيط العربي، كما كان الحال بعد إنتفاضة الثمانينيات ففي ذلك الحين، لم يكن الشرق الأوسط الجديد ينتظر خلف الباب، ولا كان دعم السيادة على الأقصى قائما في صلب برامج حكومات إسرائيل على النحو المعلوم الآن، ثم إن تداعيات حرب الخليج الثانية كانت قد شغلت العرب عما يجري في فلسطين. ينبغي أن لا نخجل من فتح ملف تبلد الشارع العربي، كي نعرف هل نحن بصدد تأكل في عروبة فلسطين وعروبة العرب أيضا، أم أنها حال وجوم مؤقت؟ ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة