هل الجهاد بمفهومه القرآني والنبوي من امور الدين ام من امور السياسة؟ وعندما ينهض مواطن مسلم في بلده ليوجه انتباه السلطة الى انها اخطأت في كذا او كذا اقتداء بقول الرسول صلى الله عليه وسلم، «وان تناصحوا من ولاه الله عليكم»، هل يكون قد خرج من دائرة الدين الى دائرة السياسة المحرمة؟ وماذا عن مبدأ «الامر بالمعروف والنهي عن المنكر» اذا قام به مسلم فرد او جماعة مسلمة تجاه السلطة الحاكمة: هل يعتبر ذلك ممارسة سياسية خارج امور الدين؟ وهكذا، لا اجد دعوة معاصرة يلفها الغموض والابهام كدعوة «فصل الدين عن السياسة» او قل «فصل السياسة عن الدين» ولكن خطورة هذه الدعوة ليست في غموضها وابهامها بقدر ماهي غموض وابهام متعمدان، لانها لاتصدر الا عن اناس لايريدون خيرا للاسلام والامة الاسلامية، رغم ان قسما منهم مسلمون بحكم شهادة المولد. لكن لا اعتزم في هذا السياق مناقشة المسألة من خلال طروحات تلك الشخصيات المسلمة ظاهريا التي تطرح مبدأ فصل الدين عن السياسة (او عن الدولة) من منظور «علماني»، ما اريده هو مناقشة القضية من منظور حقوق اقلية غير مسلمة تتشارك في المواطنة في بلد ما مع اغلبية مسلمة، ولكيلا تتخذ المناقشة وجهة التنظير التجريدي الفلسفي، فانني لا اجد افضل من مشكلة السودان القائمة بين جنوبه غير المسلم وشماله المسلم لكي تكون المعالجة واقعية وملموسة. «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بزعامة جون قرنق تطرح مبدأ فصل الدين عن السياسة كمخرج دستوري مستقبلي للمشكلة القائمة بين الجنوب والشمال والحجة المحورية للحركة تطرح على هيئة تساؤل: كيف يجوز ان تحكم البلاد بقوانين اسلامية بينما تتكون التركيبة السكانية اجمالا من مسلمين وغير مسلمين؟ وتقول الحركة: في مجتمع يتكون من مسلمين وغير مسلمين، وبالتالي غياب رابطة العقيدة الدينية، فان المواطنة يجب ان تكون الرابط الاساسي لاقسام هذا المجتمع. ان اعتماد رابطة المواطنة كبديل عن رابطة العقيدة الدينية في بلد يتكون من اغلبية مسلمة واقلية غير مسلمة يتصادم تلقائيا مع اعتبارين هما: اولا: ان الاسلام ليس مجرد عقيدة طقوسية تنحصر في تهويمات روحية مفصومة عن الواقع: انه نظام متكامل للحياة بشموليتها، يتكون من احكام وقواعد تفصيلية للمسلك اليومي للفرد المسلم من المهد الى اللحد ومجمل علاقاته لمدى العمر، من مستوى العلاقة مع الوالدين والزوجة والمجتمع بأسره الى مستوى العلاقة مع الحاكم، وبهذه الصفة فان الاسلام لا يقبل التجزئة بين دين ودولة او دين وسياسة. ثانيا: بغض النظر عن اي اختلافات في مفاهيم ورؤى حول الديمقراطية كمذهب فلسفي وسياسي، فان مما لا خلاف عليه اطلاقا هو وجوب خضوع الاقلية لارادة الاغلبية عندما يشجر بينهما خلاف تعذر عقد اجماع عليه. تأسيسا على هذين الاعتبارين نستطيع التوصل الى استخلاصين فيما يتعلق بالمستقبل السياسي والدستوري للسودان من خلال مشكلة الجنوب. اولا: ان من المستحيل على المسلمين في الشمال ان يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعضه فيتخلوا عن تكاليف دينية كالامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحكيم شرائع الحدود والزام الحاكم بالشرع الاسلامي عموما، وذلك كاسترضاء لاقلية من غير المسلمين حتى لو كانوا يتشاركون معهم في المواطنة. ثانيا: ان من حق الاقلية غير المسلمة في جنوب السودان الا تطبق عليها قوانين اسلامية ولكن ليس من حقهم على الاطلاق فرض وصاية على الاغلبية المسلمة في كيفية حكم نفسها. ان الحل المتاح للمشكلة هو الاتفاق على دستور فيدرالي يتضمن نصا باستثناء تطبيق الاحكام الاسلامية على الاقلية من غير المسلمين اما اذا كان حتى مثل هذا الحل التوفيقي غير مرغوب فيه لدى اهل الجنوب، فان الخيار الآخر المتاح لهم هو ببساطة: الطلاق بأسلوب تقرير المصير.